ما لم يقله أوباما واكتشفه ترامب متأخّراً

31 يوليو 2026

ترامب وأوباما في أثناء مراسم حنازة الرئيس الأسبق كارتر في واشنطن (9/1/2025 فرانس برس)

في المقابلة الشهيرة التي أجراها الصحافي الأميركي، جيفري غولدبرغ، معه في أشهره الأخيرة من الحكم (إبريل/ نيسان 2016)، ونُشرت في مجلة الأتلانتيك التي يرأس تحريرها غولدبرغ، انتقد باراك أوباما "مطالب حلفاء أميركا المزعجين وكثيري المطالب في الشرق الأوسط الذين يسعون إلى استغلال عضلات أميركا لخدمة مصالحهم الضيّقة والطائفية". ومضى أوباما حينها ليؤكّد أنّ استخدام القوّة العسكرية الأميركية ينبغي أن يكون محصوراً في تهديد الولايات المتحدة نفسها بشكل مباشر. وكانت تلك الانتقادات  موجّهةً بالأساس إلى حلفاء واشنطن الخليجيين، وتحديداً السعودية، التي طالبها بأن "تتقاسم" الشرق الأوسط مع إيران. ولم يكتفِ أوباما بذلك، بل اتّهم "الشركاء الخليجيين" بالانخراط في "صراعات طائفية" مع إيران، وإنْ حمّل الأخيرة مسؤوليةً على أساس أنّها "مصدر المشكلات كلّها"، ولكنّهم (الخليجيين) عاجزون عن "إخماد النيران بأنفسهم أو تحقيق نصر حاسم"، ما يعني أنّ على الولايات المتحدة التدخّل واستخدام القوّة العسكرية "لتصفية الحسابات". إلّا أنّ الحقيقة التي جَبُنَ أوباما عن الإقرار بها، في تلك المقابلة، كانت أنّ إسرائيل هي الأوْلى بهذا النقد، أو أن تتقاسمه، على الأقلّ، مع "الشركاء الخليجيين"، خصوصاً أنّ رئيس الوزراء الإسرائيلي، حينها، بنيامين نتنياهو كان هو رأس الحربة في التحريض على الاتفاق النووي الذي وقّعه مع إيران عام 2015، بل إنّه تحدّاه من قلب الكونغرس في واشنطن. ولم تمضِ ثلاث سنوات (2018) حتّى كان نتنياهو ينجح في إقناع خليفة أوباما، دونالد ترامب، بالانسحاب من الاتفاق النووي وتفكيك واحد من أهمّ مفاخر إرثه في السياسة الخارجية.

مرَّ عقدٌ على الاتفاق النووي الموؤود مع إيران ونتنياهو يحاول جرَّ الولايات المتحدة إلى مجابهة عسكرية معها، تعجز إسرائيل عن حسمها منفردة، إلى أنْ نجح في توريط واشنطن تحت إدارة ترامب الثانية، في يونيو/ حزيران 2025، في المشاركة في قصف مواقعها النووية. لكنّ طهران لم تستسلم ولم ترفع الراية البيضاء، فكان أن عمل نتنياهو مجدّداً على توريط الولايات المتحدة في حرب ثانية معها، أشدَّ ضراوةً وقسوةً، في أواخر فبراير/ شباط من هذا العام، لم تخفِ أنّ أحد أهدافها إسقاط النظام الإيراني أو تغييره من داخله بعملية جراحية. وعلى الرغم من أنّ الضربة الإسرائيلية– الأميركية الأولى نجحت في القضاء على المرشد الأعلى السابق علي خامنئي وقيادات عسكرية وسياسية وأمنية إيرانية عديدة، فضلاً عن الإضرار الكبير بقدرات البلاد العسكرية، تمكّن النظام من استيعاب الضربة. ومنذ ذلك الحين، وهو يخوض معركة استنزاف حقيقية ضدّ الولايات المتحدة، مرّغت القوّة العسكرية الأميركية الساحقة في الطين. لكنّ نتنياهو لا تعنيه أميركا، ولا مصالح ترامب وحساباته الانتخابية، ولا استقرار المنطقة، ولا تدهور الاقتصاد العالمي، بل ربّما إسرائيل نفسها لا تعنيه إلا بقدر ما يخدم مصالحه وبقاءه في رأس السلطة، ومن ثمَّ فهو لا يُقال ولا يستقيل في سعيه الدائم المجنون إلى إبقاء جذوة الصراعات مشتعلةً في كل المنطقة، وتحديداً في إيران.

نشهد إرهاصات تحوّل في المشهد الأميركي، لكنّها غير كافية بعد لوضع حدّ لجموح الكيان الإسرائيلي

أدرك ترامب حكمة أوباما التي لا تخلو من الزيف متأخّراً. لكن، حتّى إدراكه هذا بقي قاصراً وضحلاً. ليست القوّة العسكرية الأميركية فعّالةً بشكل ناجع إلّا إذا كان هناك تهديد مباشر للولايات المتحدة، ولا تمثّل إيران تهديداً مباشراً لواشنطن. ومن ثمَّ، تبقى قدرة الأخيرة على الحسم محدودةً، إذ لا يوجد مبرّر لها لتوظيف كلّ عناصر قوّتها في معركة اختيارية غير ضرورية تستنزفها بشكل خطير. أيضاً، يريد "شركاء" واشنطن حرباً مع إيران لا يقدرون على الانتصار فيها من دون توريط الولايات المتحدة، غير أنّ "الشريك" الأميركي الأخطر هو إسرائيل، وليس "الخليجيين"، كما زعم أوباما من قبل.

حاول ترامب تصحيح المسار باللجوء إلى الخيار الدبلوماسي وتوقيع "مذكّرة التفاهم" مع طهران في 18 يونيو/ حزيران الماضي. ولم يخفِ امتعاضه من محاولات نتنياهو إفشال الاتفاق، فصعّد الاشتباك معه لفظياً وعبر ضغوط سياسية شملت الملفّات اللبنانية والسورية والتركية، فضلاً عن الإيرانية. لكن ترامب يواجه مشكلتَين في سياق مساعيه إلى احتواء الورطة في إيران. أوّلها: أنّ الأخيرة تشعر أنّها أقوى اليوم منها قبل خمسة أشهر بفضل تأثيرها في الاقتصاد العالمي، والأميركي منه بالضرورة، عبر تحكّمها في مضيق هرمز وضرب استقرار دول الخليج الغنية بالطاقة، وتردّد واشنطن في استخدام قوّة ساحقة ضدّها ستسبّب استنزاف قوّتها هي نفسها. والثاني: أنّ نتنياهو لا يعدم الحيل والألاعيب لإعادة جرِّ الولايات المتحدة إلى حربٍ مفتوحةٍ مع إيران نيابةً عن كيانه الطفيلي.

استقبل ترامب نتنياهو في البيت الأبيض الثلاثاء الماضي (28 يوليو/ تموز). كان الإخراج لافتاً للنظر. أُدخل نتنياهو من بوّابة جانبية، وليس من الباب الرئيسي، ولم يكن هناك مؤتمر صحافي مشترك، ولا لقاء ثنائي بين الطرفَين، وإنّما مشترك مع الوفود، ولم ينشر البيت الأبيض صورة للقاء، بل كان مصدر الصور إسرائيلياً فقط. نُظر إلى هذه التفاصيل رسالة امتعاض أميركية، وهي ربّما تكون كذلك. لكن، أيّ تقليل من خطورة إسرائيل، ومن قدرة نتنياهو على التلاعب بترامب والولايات المتحدة، يدخل في سياق السذاجة. تلك حكمة أوباما المسكوت عنها. لم يكن "الشركاء الخليجيون" هم من أفشل اتفاقه النووي مع إيران عام 2015، ولم يكن "الحلفاء الخليجيون" هم من جرَّ أميركا إلى حرب غير ضرورية معها، إنّما كانت إسرائيل، تلك البقرة المقدّسة التي يتردّد كثيرون في الاصطدام بها في واشنطن، وإن كنّا بدأنا نشهد إرهاصات تحوّل في المشهد الأميركي، ولكنّها غير كافية بعد لوضع حدّ لجموح هذا الكيان المنفلت من كلّ عقال.