ما لا يُراد له أن يُرى

ما لا يُراد له أن يُرى

04 ديسمبر 2021
الصورة

(إيفلين عشم الله)

+ الخط -

قلةٌ ربما يعرفون أن المسرحية الكوميدية الأشهر في العالم العربي "مدرسة المشاغبين" مأخوذة عن فيلم بريطاني أنتجته "هوليوود" عام 1967، وقام ببطولته الفرنسي سيدني بواتييه، من إخراج جيمس كلافيل وتأليفه، والفيلم "TO SIR WITH LOVE" عن مدرّس مبتدئ أسود البشرة في مدرسة في حي من أحياء البيض الفقيرة، ليدرّس مراهقين فقراء رافضين التعليم وأنظمته، في احتجاج نفسي على أوضاعهم الإجتماعية المزرية، فيقرّر المدرس الشاب استخدام طرق خارج النظام التعليمي المعتاد، ليستطيع الوصول إلى خيطٍ يجمعه بهم، خصوصا أنه آتٍ من بيئة لها ظروف مشابهة كونه أسود البشرة، في وقتٍ كانت أثار التمييز العنصري بسبب اللون ما زالت موجودة، ما جعل التعامل مع تلامذته المراهقين أشدّ صعوبة، فعدا محاولته تفهم تمرّدهم، فهو مضطرٌّ أيضا للتعامل مع تنمّرهم العصري ضده. لم يكن الفيلم الذي اشتهر جدا يومها كوميدياً بل كان درامياً جدّياً، وأظن أن فيلما مصريا خفيفا شابهه، يحمل الإسم نفسه، قد أنتج في عام 1981 من بطولة نيللي ومحمود ياسين، غير أنه لم يرق إلى مستوى الفيلم الأصلي الذي ناقش قضايا اجتماعية بالغة الأهمية في تلك الفترة، ولم يحقق النجاح الذي حققته "مدرسة المشاغبين" التي ما زالت منذ 1974 تُشاهد بالمتعة نفسها.
استبدلت المسرحية التي كتبها علي سالم المدرس الأسود بشابّة جميلة، ولا أظنّ هذا كان عشوائيا، فالمرأة في المجتمع الذكوري العربي تعامل معاملةَ الأقليات الملوّنة في المجتمعات الأوروبية، تتعرّض للتنمّر والاستعلاء والوصاية والاستباحة، وحتما سوف تكون عرضةً للتّنمر بشكل مضاعف كلما انحدرت مرتبة المتنمر الاجتماعية، أو انتمى إلى طبقاتٍ معرّضة هي أصلا للاستعلاء والتهميش والتنمّر. وعلى الرغم من أن تلامذة "مدرسة المشاغبين" لا يبدون كلهم أبناء عائلات فقيرة، لكنهم أبناء عائلات مفكّكة تنتمي إلى طبقات الأثرياء الجدد القادمين من الدرجة السفلى إلى الطبقة المتوسطة، الذين اغتنوا بسبب الفساد بعد نكسة 1967، وراكموا قيما اجتماعية جديدة، ظهرت حتى على مستوى اللغة والمنطوق اليومي، ثم انتشرت في المجتمعيْن المصري والعربي.
ساهمت خفّة الظل الاستثنائية التي تمتع بها أبطال "مدرسة المشاغبين" في بقاء العمل حيا ومشاهدا، على الرغم مما قوبلت به المسرحية من انتقادات، وتحميلها مسؤولية الانحدار في التعليم المصري، وانتشار البلطجة والغوغائية في المدارس الحكومية العربية، وتعميم التحرّش والتّنمر والتمرّد على الأنظمة العائلية والتعليمية والاجتماعية في المجتمعات العربية. وهذا تحميل للمسرحية أكثر بكثير مما تحتمله، فهي لم تكن سوى انعكاس لتحوّل بدأ في مجتمعاتنا بعد النكسة، ومصر كانت السبّاقة به. وفي ظني أن الصدمة أتت من الفارق المهول بين ما كانت تقدّمه السينما المصرية من صورة متخيّلة للمجتمع المصري ولطبقته الوسطى والواقع الذي قدّمته "مدرسة المشاغبين" للطبقة نفسها، فبينما حمّلت المسرحية وأبطالها المسؤولية، تم التغاضي عن مسؤولية الأنظمة وفسادها ودورها في تدمير البنى الإجتماعية، وتدمير التعليم الحكومي وتعميم الفقر والجهل وكل ما ينتج عنهما.
وليس مستغربا أن تعود "مدرسة المشاغبين" إلى النقاش المجتمعي في مصر، مع الاحتدام الحاصل في ما يخص أغاني المهرجانات، باعتبارها مفسدة للذوق العام وخارجة عن القيم المجتمعية العامة، وهي الاتهامات نفسها التي ألقيت في وجه صنّاع المسرحية قبل نحو 45 عاما، شهد المجتمع المصري خلالها تحولاتٍ كثيرة بدّلت بنيته، ولم يكن لها أن تحدُث لولا الخطّة الممنهجة في القضاء على الطبقة الوسطى وقيمها ودورها التغييري، بدءا من التعليم ومرورا بما سمّيت الصحوة الدينية التي استهدفتها بشكل مباشر، وليس انتهاءً بوضعها على مستوى خط الفقر أو دونه بقليل، لتصبح المجتمعات مقسومةً إلى أقلية تملك أكثر من نصف الثروة المحلية وأكثرية لا تملك ما يسدّ رمقها، من دون أن ننسى ما أحدثته السياسات التنموية من تدمير للمجتمعات الزراعية وانتقال أفرادها إلى المدن الكبيرة، وترييف المدن والعواصم المتمثل بانتشار العشوائيات، بكل الفقر والتجهيل والتهميش الذي لحق بها، وهو ما عكسته الفنون التي تتحدّث عن شكل حياة هذه العشوائيات. وهو أيضا ما تعبر عنه الفنون الخاصة بها، أو ما تسمّى فن المهرجانات والتراب والراب، والتي ليست سوى محاولات إثبات وجودها باستخدام عالم التقنيات الذي كشف الغطاء عن كل ما كان مسكوتا عنه.