ما قبل مؤتمر بغداد وما بعده

ما قبل مؤتمر بغداد وما بعده

01 سبتمبر 2021
الصورة

القادة والوزراء رؤساء الوفود في مؤتمر بغداد للتعاون والشراكة (28/8/2021/فرانس برس)

+ الخط -

لم يعد سرّا أن فكرة عقد مؤتمر إقليمي في بغداد لم تكن في الأساس مبادرة شخصية من رئيس الحكومة العراقية، مصطفى الكاظمي، كما قيل في البداية، إنما هي فكرة أميركية، أرادت واشنطن من خلالها تأهيل العراق للعب دور قيادي في المنطقة يخدم مصالحها، ويعمل على تجاوز حالة الاستعصاء في العلاقات بين دول المنطقة. وقد يفضي، في قابل الأيام، وعبر مؤتمرات أخرى، الى إقامة "منظومة" إقليمية، تقف حاجزا في مواجهة مخطّطات التغلغل الإيراني في الإقليم. وحرصت بغداد على عدم الإشارة إلى الدور الأميركي في استيلاد المؤتمر، تجنبا لما قد يثيره الخصوم ضدها، لكن "التلميحات" التي تضمنها بيان البيت الأبيض فضحت، ربما على نحو غير مقصود، أن الأميركيين هم من كانوا وراء فكرة المؤتمر التي جرى بحثها مع الكاظمي في أثناء زيارته واشنطن. ونقل البيان مباركة الرئيس الأميركي جو بايدن المؤتمر، كونه "قمة ناجحة ورائدة". كما أثنى على القيادة "التاريخية " للعراق التي توافقت مع الرؤية الأميركية في اعتماد الدبلوماسية في العلاقات الدولية، وفي تبني الشراكة الاستراتيجية بين واشنطن وبغداد.

اعتبر كثيرون هذه الإشارات بمثابة "تزكية" ضمنية لشخصية الكاظمي الذي كان حريصا دوما على تمييز نفسه عن رجال الطبقة السياسية التي حكمت العراق على مدى 18 سنة، وعلى تقديم نفسه داعية إصلاح وتغيير. ونظّم أنصاره والجيوش الإلكترونية الخاضعة له، قبل المؤتمر وبعده، حملة إعلامية واسعة لترويج شخصيته رجل سلام ومصالحة، ولإشاعة قناعة لدى الآخرين في أنه استطاع، وبجهوده وحده، أن يجعل من العراق "دولة ريادية"، بعد أن كانت "دولة تابعة"، وأن يؤهل بغداد لأداء دورها القيادي المطلوب.

تعمل واشنطن من خلال القمة على تأهيل العراق للعب دور قيادي في المنطقة يخدم مصالحها

وتتوكأ مثل هذه التحليلات القاصرة على وجود رغبة أميركية في إعطاء دور أكبر للعراق في المنطقة، بعدما انحسر هذا الدور عشية الاحتلال. وربما لأن واشنطن، وفي ظل سياسة بايدن، سوف تستكمل سحب جنودها من العراق نهاية العام، وهي مطمئنة إلى أنها وجدت "وكيلا" استراتيجيا في بغداد، يشاطرها الرؤية التي تريد. وهذا "السيناريو" في حال صدقيته مشكوكٌ في جدواه وفي قدرته على الصمود، وأمامنا درس أفغانستان.

هل يمكننا القول، إذاً، من دون مواربة، إن "مؤتمر بغداد للتعاون والشراكة" حالة أميركية، إذا ما صحّ التعبير، وقد تكمله مؤتمراتٌ لاحقة، الهدف منها جمع الأضداد، وترويض من يظلّ ناشزا عن اتباع ما هو مخطط للمنطقة في قابل الأيام وتطويعه، وإرساء صيغةٍ لإطار أمني إقليمي، يتوافق مع مشروع الشرق الأوسط الجديد الذي اشتغل عليه الأميركيون أمدا طويلا. وقد حضر الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، ومن ورائه أوروبا وحلف الناتو، المؤتمر ليكون "عرّاب" الصفقة الجديدة التي توفر السلام والأمن والرفاهية لشعوب المنطقة (!!). ولم يكن مصادفةً تعهد ماكرون بإبقاء قواته العسكرية في العراق، انسحبت القوات الأميركية أم بقيت. كما لم يكن مصادفةً أيضا أن يشمل برنامج زيارته الكاظمية وأربيل والموصل، وقد اختيرت هذه المدن الثلاث بعناية، لما تمتلكه كل واحدة منهن من رمزية خاصة، في إطار التنوع المذهبي والعرقي في بلاد الرافدين. وتندرج في "السيناريو" نفسه زيارة جوزيف بوريل، مسؤول السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي، التي ستتم خلال أيام، وهي الزيارة التي ينظر إليها كثيرون نوعا من المساندة للدور الذي يسعى العراق إلى الانخراط فيه بدعم غربي.

لا حل للعراق سوى الاعتماد على مشروع وطني يتجاوز "العملية السياسية" القائمة، ويحاسب شخوصها، ويعيد بناء الدولة

وقريبا من مخرجات المؤتمر وبعيدا عنها، بدا العراقيون غير مهتمين وغير عابئين بما زعم عن نجاحه، وهم مثقلون بهمومهم في البحث عن الأمن والأمان، وفي عدم حصولهم على الخدمات الأساسية، وتفشّي الفساد في كل المرافق العامة، وكذلك في سيطرة المليشيات، وعجز الدولة عن حصر السلاح بيدها، وأيضا في انتشار جائحة كورونا وتخبّط الدولة في مواجهتها، وهم لم يلمسوا من حكومة الكاظمي، ولا من الحكومات السابقة التي أنتجتها التوافقات الأميركية - الإيرانية حلولا واقعية، تصب في خانة إنقاذهم مما هم فيه، وقد سمعوا وعودا ومشاريع وخططا كثيرة، ما إن يعلن عنها حتى تحيلهم إلى كوميديا شكسبير المعروفة "أسمع جعجعة ولا أرى طحنا".

والخلاصة التي خرجوا بها من المؤتمر أن ليس ثمة حل لأزماتهم التي استشرت 18 سنة، غير الاعتماد على مشروع وطني يتجاوز "العملية السياسية" القائمة، ويحاسب شخوصها، ويعيد بناء الدولة، ويستعيد الوطن من مغتصبيه والمهيمنين على قراره.