ما جرى في الفاشر يُدرّس في الجامعات

31 أكتوبر 2025
+ الخط -

ليس صاحبُ السطور أدناه نفسَه صاحبَ العبارة أعلاه، وإنما محمّد حمدان دقلو (50 عاماً) هو الذي قال إن ما جرى في الفاشر (في ولاية شمال دارفور في غرب السودان) عملٌ احترافيٌّ يُدرَّس في الجامعات. ويقصد العملية العسكرية التي شنّتها في المدينة قوات الدعم السريع التي يقودُها. ولمّا كان المعهود أن تُنصّص الاقتباسات، لِتُحيل على قائليها أو كاتبيها، فإن هذا القول يراه قارئُه هنا متحرّراً من القوْسين، ببساطةٍ لأن كِلَيْنا، دقلو الملقّب حميدتي وكاتب هذا التعليق، متّفقان على أن ما جرى في الفاشر، الثلاثاء والأربعاء الماضيين، يستحقّ أن يعرفَه طلاب الجامعات، ففي عِلمهم به نفعٌ كثيرٌ لهم. ولكن الإشكال واقعٌ في أن ثمّة وجهتين متناقضتين للكلام، فالذي في دماغ تاجر الجِمال والقماش سابقاً غير الذي في أدمغة ناسٍ بلا عددٍ صادفوا هذه العبارة، واستقبلوها بأرطالٍ من الاستنكار والاستهجان. ليس فقط لأن من عجيب العجائب أن هذا الرجل لم يكَد يُكمل التعليم الإلزامي في المدرسة (لم يصل إلى المرحلة الثانوية!)، فما أدراه بالذي يدرّسونه أو لا يدرّسونه في الجامعات. وتُحيل هذه المفارقة على ما هو باهظُ الغرابة، موجزُه أن المُتحدَّث عنه هنا يرفُل بمرتبةٍ عسكريةٍ عاليةٍ جداً، فريق أول، وهو الذي لم يعرِف أي تأهيلٍ عسكري.

ما جرى في الفاشر له أن يُدرّس في الجامعات، ليعرف طلّابها المدى الفادح الذي يمكن أن يبلغه التوحّش في الحروب الأهلية الضارية، عندما يُغادر المحاربُ أي حسٍّ إنسانيٍّ في آدميّته، فيُعمِل في ناسٍ آمنين انحطاطاً لا أدري إن يُجاز توصيفُه حيوانيّاً، عندما يُزاول هذا ألواناً من الهمجية في بشرٍ يشاركونه البلد نفسه، فيفترسُهم، فتحيّرك هنا بواعثُه في إجرامه الآثم هذا، إن كان ترويع الخصوم أو استعراض أقصى قوةٍ لا يضبطها عقالٌ إذا انفلتَت. وحتى لا يُرمى الكلام هنا بتجريديّةٍ لا يتعيّن فيها شيء، فإنه يتعلق بجرائم الحرب الفظيعة التي قالت منظمّاتٌ وحكوماتٌ وهيئاتٌ سودانيةٌ وأجنبيةٌ وأمميةٌ إن مليشيا حميدتي اقترفتها في مستشفيين في الفاشر، وفي سكانٍ في المدينة جعلهم سوءُ أقدارهم في قبضة عناصر من هذه المليشيا التي تيسّر لها اقتحام المدينة بعد هزيمة جيش البلاد، أو انسحابه على ما قال قائدُه، الفريق أول عبد الفتاح البرهان.

تستحقّ الشناعات التي أوقعتها المليشيا التي يستنكف العالم عن نعتها إرهابية، في المدينة المحاصرة المستباحة، أن تأخذ موقعها ضمن الجرائم الموصوفة في حروب الاقتتال الداخلي، وتتنوّع أشكالها وأغراض أطرافها. والحال هنا أننا أمام صنفٍ من الفظاعات بالغ الشذوذ، يظنّ حميدتي أنه صار بريئاً من المسؤولية المؤكّدة عنها، عندما سمّاها "تجاوزات"، وعندما أشاع أن لجنة ستحقّق فيها، وكأن ثمّة بياضاً ناصعاً في أرشيف ناسه المتمنطقين أسلحتهم في الحارات والشوارع لم يلحظه أحد، فيما المشهور عن هؤلاء أنهم يحترفون التمويت المنفلت، فالأنباء عن تصفية هؤلاء ألفيْن من ساكنة المدينة كيفما اتفق، وقتلهم 400 مريضٍ ومريضة على أسرّتهم في مستشفى تستثير في النفوس اشمئزازاً بلا سقوف، وخوفاً مهولاً في الجوانح والحشايا. وما أفضت به لجنة في نقابة الأطباء السودانيين عن إحراق مواطنين هناك في سياراتهم، وهم يحاولون النجاة من عمليات قتلٍ جماعيٍّ استسهلت جماعة حميدتي التلذّذ بفنونها، يورّطك في سؤالٍ في غاية العادية عن الفروق بين الحيوان والإنسان، ويجعلُك في سؤالٍ لا جواب له بشأن فائض البهيميّة في هؤلاء الذين قد يذكّرون بمُجرمين إسرائيليين وصربٍ وفاشيين ونازيين وكتائبيين وقواتيين لبنانيين وأمثال لهم جميعاً.

إذن، صحّ تماماً أن هذه الأفعال في مدينة الفاشر المنهوبة يلزَم أن يعلم عنها طلاب التاريخ والجغرافيا وعلم النفس في الجامعات نماذجُ عن سفالات الإنسان في حروب ناسٍ من البلد مع ناسٍ في البلد نفسه. أما زهو حميدتي بما خلع عليه صفة "العمل الاحترافي" الذي صنَعه مرتزقتُه في الفاشر فيُدرّس في الجامعات أيضاً شاهداً على اهتراء الدول عندما يصبح فيها شخصٌ بهذا المستوى من قلة التعليم وانعدام المسؤولية وفظاظة شهوة السلطة زعيماً يُبارك زعامتَه مثقفون سودانيون، يحدُث أن يُمزّعُ الواحدُ منّا شعر رأسه إذا اضطرّ إلى سماعهم أو قراءة ما يكتُبون عن إسلاميين مستبدّين، ينتظرون أن يحرّر حميدتي السودان منهم...

معن البياري
معن البياري
رئيس تحرير "العربي الجديد"، كاتب وصحافي من الأردن، مواليد 1965.