ما تكشفه هذه التسريبات عن نظام الأسد ورجاله

02 يناير 2026
+ الخط -

التسجيل الذي بثّته قناة الجزيرة الأربعاء الماضي، ويوثّق مكالمة هاتفية بين شخص قدّم نفسه ضابطاً في جهاز المخابرات الإسرائيلي (الموساد) وبين كلٍّ من القائد السابق للقوات الخاصة في نظام بشار الأسد المخلوع، سهيل الحسن، والقائد السابق للواء 42 في الجيش المنحل، العميد غياث دلا، لا يضيف جديداً إلى السجل الإجرامي المعروف لرجال الأسد، ولا إلى تاريخ تآمرهم على سورية حتى بعد سقوطهم في ديسمبر/ كانون الأول 2024. فسهيل الحسن، الملقّب بـ"النمر"، كان أحد أبرز أذرع الأسد في تنفيذ المجازر الوحشية ضد المدنيين في اللاذقية وحلب وحمص والبادية وإدلب والغوطة الشرقية، ويُنسب إليه ابتكار فكرة البراميل المتفجرة التي دمّرت الأحياء السكنية وأزهقت أرواح آلاف السوريين.

كما لا يضيف التسجيل، الذي لا يمثّل سوى جزء يسير من أكثر من 74 ساعة من المكالمات وما يزيد على 600 وثيقة، الكثير إلى ما هو معروف عن سطحية (وسذاجة) كثيرين من مسؤولي النظام، خصوصاً في المؤسّستين العسكرية والأمنية، ممن خُدعوا بسهولة على يد مواطن سوري أوهمهم بأنه ضابط في "الموساد"، فهؤلاء صعدوا في هرم السلطة بناءً على الانتماء الطائفي والولاء المطلق للرئيس، إضافة إلى استعدادهم لممارسة أقصى درجات الوحشية. الجديد في هذه التسريبات استعداد رموز النظام المخلوع للتحالف مع أي جهة، حتى لو كانت "الشيطان" نفسه، في سبيل العودة إلى السلطة، ولو على جزء من سورية، وتحديداً في منطقة الساحل.

ينسف التسجيل الذي كُشف عنه تماماً ذريعة من ظلّوا يروّجون أسطورة "ممانعة" نظام الأسد، فالحسن، الذي قال إنه يعمل تحت إمرة رجل الأعمال رامي مخلوف، ابن خالة بشار الأسد، لم يكتفِ بطلب دعم إسرائيل ضد الحكم الجديد في سورية قائلاً: "أنا بخدمتكم"، ولم يكتفِ بتأييد جرائمها في غزّة، بل أعلن دعمه لها ضد "الشيعة"، في إشارة إلى إيران وحزب الله، اللذين كانا الداعمَين الرئيسيين للنظام حتى سقوطه. والفضيحة الأكبر تأييده مشروع "ممر داود" الإسرائيلي، الهادف إلى تفتيت سورية عبر شريط جغرافي ضيق يبدأ من مرتفعات الجولان المحتلة، مروراً بالقنيطرة ودرعا، ثم يتسع شرقاً عبر السويداء في جبل حوران، وصولاً إلى البادية السورية باتجاه معبر التنف عند المثلث الحدودي السوري– العراقي– الأردني. في ما يخص رموز النظام المخلوع، لا يهم أن تعود سورية إليهم حطاماً؛ المهم استعادة أيٍّ من أشكال السلطة القمعية، ولو تحت وصاية أجنبية. هم قبلوا سابقاً الوصايتين، الإيرانية والروسية، فما الذي يمنعهم من قبول وصاية إسرائيلية إن كانت ستمنحهم منطقة يحكمونها ويعيدون فيها تشغيل مصانع الكبتاغون وشبكاته؟

ورث الحكم الجديد دولة مدمّرة، متخلفة، معزولة دولياً، ومحتلة حتى قبل اندلاع الثورة عام 2011

هناك أسبابٌ عديدة تدعو إلى القلق من أداء الحكم الجديد في سورية، خصوصاً لجهة العلاقة التي تبدو خاضعة للولايات المتحدة وابتزازاتها، ولجهة العجز أمام الاعتداءات الإسرائيلية المتكرّرة واحتلالها مزيداً من الأراضي السورية. وقد أثار نشر وزارة الخارجية السورية قبل أسبوعين خريطة للبلاد من دون مرتفعات الجولان المحتلة منذ 1967، تحت عنوان "سوريا بدون قانون قيصر"، عقب توقيع الرئيس الأميركي دونالد ترامب على قرار إلغاء العقوبات التي كان ينص عليها القانون، استياءً واسعاً. سواء كان هذا "خطأً تصميمياً" كما قيل، أم محاولة لاسترضاء واشنطن بعد إلغاء العقوبات (كان ترامب اعترف بسيادة إسرائيل على الجولان عام 2019)، فإن الموضوعيّة تقتضي التذكير بأن نظام آل الأسد هو من قاد سورية إلى هذا الانهيار الممنهج أكثر من نصف قرن. لقد ورث الحكم الجديد دولة مدمّرة، متخلفة، معزولة دولياً، ومحتلة حتى قبل اندلاع الثورة عام 2011. وفي سنوات الثورة، دمّر النظام معظم البلاد تنفيذاً لشعاره الشهير "الأسد أو نحرق البلد".

باختصار، لا تزال سورية بلداً قابلاً للتقسيم: في الساحل حيث العلويون، وفي الجنوب حيث الدروز، وفي الجنوب الغربي حيث إسرائيل، وفي الشمال الشرقي حيث الأكراد. وذلك كله من إرث النظام المخلوع. وتؤكّد التسريبات الجديدة أن رجاله ما زالوا يعملون بالنهج نفسه: تمزيق سورية وإضعافها. ومع ذلك، هناك من لا يزالون يصرّون على ترديد أسطورة أن هؤلاء كانوا "أبطالاً" في "نظام ممانع"... الأهم أن التسريبات تكشف حقيقة يعرفها الجميع: بشّار الأسد انتهى دوره، وهو محاصر اليوم في موسكو مع ملياراتٍ نهبها من شعبه، بينما يسعى بعض أدواته المتبقّون إلى إعادة بناء ما تبقى من نظامه البائد، بعد أن تجاوزوه هم أنفسهم.