ما تبقى من الاستقلال في لبنان

ما تبقى من الاستقلال في لبنان

22 نوفمبر 2021
الصورة
+ الخط -

نال لبنان استقلاله عن فرنسا في 22 نوفمبر/ تشرين الثاني من عام 1943، بعد الإفراج عن المعتقلين السياسيين الرسميين من قلعة راشيا، وسط تظاهراتٍ وطنية حاشدة ملأت شوارع لبنان، شارك فيها كلّ اللبنانيين من مختلف المناطق، لتحرير بلادهم من نير الانتداب الفرنسي. كانت لحظات جميلة، إذ شعر اللبناني لأول مرة في تاريخه بأنه استقلّ عن سياسات دولٍ سيطرت على قراره، وأسرت سيادته. وبعد ثلاث سنوات من إعلان الاستقلال، أجلت الحكومة الفرنسية آخر جندي لها عن أرض لبنان. ومن هنا، بدأت رحلة لبنان الشاقة في التفتيش عن الاستقلال المفقود، منذ لحظة الجلاء عام 1946.
على الرغم من نيل لبنان استقلاله رسمياً في مثل هذا اليوم قبل 78 عاماً، إلا أنه لا يزال يعاني من تجاذباتٍ أفرزتها تلك الحقبة من انقسامات مذهبية وطائفية، في بلد تخيّم عليه أسوأ أزمات اقتصادية ومالية واجتماعية في تاريخه. تلك التجاذبات أضعفت سيادة لبنان وجعلته يفقد استقلاله عبر السماح للدول بالتدخل في قراراته السيادية. فحكومة الإنقاذ، برئاسة نجيب ميقاتي، على سبيل المثال، المفترض أن تعمل على إنقاذ ما تبقى من وطن، هي اليوم مشلولة الإرادة عن الاجتماع، ومعطّل عملها في تسيير حياة الناس، وفي تحقيق بيانها الوزاري بمحاكاة صندوق النقد الدولي ومعالجة قضية الكهرباء، ومردّ ذلك تجاذبات الدول، ولا سيما أميركا وإيران، قبل الذهاب إلى مفاوضات فيينا حول الملف النووي.

يكاد الجميع يدرك في لبنان والخارج عمق الأزمة السياسية المفتعلة اليوم، فهي نتيجة الاصطفافات والتموضع لأفرقاء الداخل

لم يعرف هذا البلد استقلالاً حقيقياً، بعد الانسحاب الفرنسي، بسبب ترك ساحته موطئاً للتدخلات الإقليمية والصراعات الدولية، وبفضل اعتماد مكوّناته سياسة التموضع من خلال الدخول في لعبة المحاور، عبر الارتهان إلى الخارج للاستقواء به وكسر إرادة الطرف الداخلي وفرض الهيمنة عليه والإمساك بالقرار. لهذا يبقى السؤال: إلى متى سيبقى هذا البلد لا يعيش الاستقلال إلا احتفالاً وتنظيماً بعرض عسكري رمزي وصوري، بعيداً عن الاستقلال الحقيقي والفعلي؟
يكاد الجميع يدرك في لبنان والخارج عمق الأزمة السياسية المفتعلة اليوم، فهي نتيجة الاصطفافات والتموضع لأفرقاء الداخل، الأمر الذي سمح للخارج بالتدخل، وأخذ لبنان ورقة تفاوضية لتحقيق مكاسب جيوسياسية لبلادهم، فقد ظهرت إلى العلن قضية الصراع الدبلوماسي بين دول الخليج وأفرقاء في الداخل اللبناني، في مقدمتهم حزب الله، حيث صعّدت قيادة الحزب من خلال منع وزير الإعلام، جورج قرداحي، من الاعتذار وتقديم استقالته، على الرغم من القرار الرسمي المعاكس الذي عبّر عنه رئيسا الجمهورية والحكومة، داعييَن الوزير إلى تحكيم ضميره لأجل مصلحة لبنان العليا. تعيق هذه القضية عمل الحكومة، وتُدخل لبنان في سياسة عزل عن محيطيه، العربي والدولي، وتأخذه إلى محور الممانعة بقيادة إيران.

هناك فريق لبناني لا يوفر فرصة إلا ويتّهم إيران بالهيمنة على البلاد من خلال فائض القوة التي يمتاز بها حزب الله

منذ بدء ثورة 17 تشرين الأول عام 2019، وخطابات الأمين العام لحزب الله، حسن نصر الله، لا تكاد تخلو من الدعوة إلى التوجه شرقاً، عبر إعادة تموضع لبنان مع خط طهران. وقد رأت مصادر نيابية متابعة أن التصعيد في قضية وزير الإعلام يهدف إلى إيجاد الشرخ بين لبنان وأشقائه العرب، لجرّ البلد إلى المجابهة الكبرى مع محيطيه العربي والغربي. لهذا، تتخوف تلك المصادر من عدم إجراء الانتخابات النيابية في لبنان، والاعتماد على طرق تطيير هذا الاستحقاق من خلال الطعن المنتظر الذي سيتقدّم به حليف الحزب، كتلة "الجمهورية القوية"، في ملف قانون الانتخابات المصدّق من مجلس النواب. هذه التمثيلية، كما صوّرها بعضهم، تهدف إلى تأجيل الانتخابات عن موعد استحقاقها بذرائع واهية، ما سيوقع البلاد في مشكلة دبلوماسية مع دول القرار. هذا ما جاء في الرسائل الدبلوماسية الأميركية إلى المعنيين في لبنان بصريح العبارة، "لا انتخابات يعني أن لا صندوق نقد، وبالتالي ستتوقف المفاوضات ولن تكون خطة إنقاذ".
في المقابل، هناك فريق لبناني آخر لا يوفر فرصة إلا ويتّهم إيران بالهيمنة على البلاد من خلال فائض القوة التي يمتاز بها حزب الله، وخطف قرار الدولة في الحرب والسلم، وبأنه اليوم يحاول جرّ البلاد إلى المواجهة المباشرة مع الأشقاء العرب من خلال ما يحصل في اليمن، وفي أكثر من ساحة عربية. يرتكز الفريق المعارض للعهد وحليفه حزب الله على تقارير من مسؤولين إيرانيين، عبّروا في أكثر من مناسبة عن أن لبنان هو في الخطوط الأولى للمواجهة مع إسرائيل، في حال اعتداء الأخيرة بضربة عسكرية على مفاعلات إيران النووية.

يضيع مفهوم الاستقلال، فيما تبقى الدولة تحتفل بعيد رسمي باستقلال لبنان الصوري والشكلي عن فرنسا

كي لا يبقى لبنان مشرذماً ذات اليمين وذات اليسار، وذات الشرق وذات الغرب، يجب أن تنضج فكرة البطريرك بشارة الراعي "حياد لبنان الإيجابي"، وعدم إدخاله في لعبة المحاور. لهذا، لم يكن مفاجئًا موقف الراعي في عظة الأحد 14 نوفمبر/ تشرين الثاني الحالي من الصرح البطريركي، قوله إنه "بات متعذراً إنقاذ الشراكة الوطنية من دون تطبيق مبدأ الحياد".
بين هذا وذاك، يضيع مفهوم الاستقلال، فيما تبقى الدولة تحتفل بعيد رسمي باستقلال لبنان الصوري والشكلي عن فرنسا، فهذا الاستقلال كان ليصير حقيقياً لو عملت سلطة الانتداب على توعية اللبناني على روح المواطنية وحب الوطن، وعلى تقريب وجهات النظر بين الفسيفساء الطائفية التي جعل منها لبنان الكبير عام 1920، وعلى بناء الثقة المفقودة بين أبناء الوطن. لهذا، لن يكون هناك استقلال فعلي لهذا البلد، ما دام لا ثقة بين مكوّناته، ولا رؤية موحدة حول أي لبنان نريد. وسيبقى لبنان ساحةً مفتوحةً لكل الصراعات والنزاعات الإقليمية والدولية، وسيبقى الاستقلال عند اللبناني الحلم الضائع والمنشود.