ما بعد فوز ممداني

10 نوفمبر 2025
+ الخط -

مخطئٌ من يظن أن العالم لن يتأثّر بحدث داخلي في الولايات المتحدة، وهو فوز زهران ممداني بمنصب عمدة مدينة نيويورك، فالرجل ذو القناعات الديمقراطية الاشتراكية، بحسب ما يصف نفسَه، ليس إلا رمزاً لتحوّلات عميقة يشهدها المجتمع الأميركي منذ ربع قرن؛ تحديداً منذ أحداث 11 سبتمبر (2001)، وما تلاها من مباشرة واشنطن سياسةً خارجيةً جامحةً، وسياسةً داخليةً متطرّفةً ضدّ فئات معيّنة وأبناء أصول عرقية بعينها من دون غيرها. ربّما لم تظهر تلك النزعات في وقتها، ولم تحظَ بما تستحق من اهتمام وتركيز إعلاميين، فتوارَتْ أمام الصخب الإعلامي الذي صاحب موجة مكافحة "الإرهاب" وحالة البارانويا التي أصابت السياسة الأميركية بضعة أعوام بعد 2001. لكن تلك النزعة العدائية (والإقصائية) كانت تتفاعل وتنمو تحت السطح، بدليل ظهورها في الانتخابات الرئاسية التي أوصلت دونالد ترامب إلى البيت الأبيض مرَّتَيْن في 2016 و2024، ما أثبت تنامي التطرّف اليميني في المجتمع الأميركي بشكل صارخ، على نحو يجسّده زحف آلاف إلى مقر الكونغرس اعتراضاً على نتائج انتخابات الرئاسة عام 2020. ثمّ جاءت حركة ماغا (MAGA) لتؤطّر هذا الحضور القوي لأصحاب تلك الميول اليمينية المتطرّفة في مختلف شرائح المجتمع الأميركي.
وكما انعكست تلك التطوّرات في الداخل الأميركي على رؤية واشنطن إلى العالم وموقعها فيه، ومن ثمّ مواقفها تجاه قضاياه، يحمل فوز ممداني في نيويورك دلالات مهمة ستنعكس لاحقاً على السياسات الأميركية داخلياً وخارجياً. ولا يقلل منها أن الانتخابات محلّية، إذ تظلّ مجرياتها، وما شهدته من حملات محمومة من الجمهوريين عموماً ومناصري ترامب خصوصاً، مرآةً عاكسةً لصراع خفي يدور تحت السطح في المجتمع الأميركي.
وهي مفارقة جديرة بتحليل متعمّق سوسيولوجياً، لا سياسياً فقط، فنيويورك عاصمة المال في العالم، ومدينة ذات خصوصية متفرّدة مجتمعياً نموذجاً للمدينة الرأسمالية في أدقّ صورها وأوضح تجلّياتها، تجمع شرائحَ متناقضةً اقتصادياً، بين الغنى الفاحش والفقر المدقع. ورغم تمثيلها أصولاً عرقية واجتماعية ومرجعيات دينية متنوّعة، إلا أن تأثير اللوبيات وجماعات الضغط اليهودية فيها قوي، ومعزّز بظهير اقتصادي متين قوامه أباطرة الاقتصاد المتداخلين عضوياً مع النخبتَيْن السياسية والإعلامية.
يتمسّك ممداني بأفكاره ويعلنها بثقة، رغم علمه أنها ستختبر تماسك المجتمع الأميركي. فهو مثلاً يرحّب بالمهاجرين، ويعتبرهم ركناً أساساً في قوة الاقتصاد والحياة الأميركية عموماً. ويواجه ترامب بالفعل اعتراضات ومواقف رافضة لتوجّهاته العنصرية، سواء في السياسة بترحيل المهاجرين غير الشرعيين، أو في الاقتصاد بفرض تعرفات جمركية باهظة. وتكرّرت حالات إصدار المحكمة الأميركية العليا أحكاماً تلغي قرارات تنفيذية لترامب.
أهمية فوز ممداني في ما يخص الخارج مزدوجة، فالنصر الذي حقّقه في نيويورك سيشجّع ساسةً آخرين على مواجهة سياسات ترامب العنصرية، وحشد الطاقات الشعبية الانفتاحية المناهضة للتوجّهات الشعبوية اليمينية. والتظاهرات التي اجتاحت عدداً من الولايات ضدّ ديكتاتورية ترامب تحت شعار "لا للملوك"، تشير إلى أن ترامب بدأ يفقد ظهيره الداخلي، وأن ملفَّي المهاجرين والجمارك ليسا سوى مقدّمة لتراجعات منتظرة في قضايا يصعب فصل وجهها الداخلي عن مردودها الخارجي.
بالتوازي، ستمثّل أفكار ممداني الاشتراكية مصدرَ جذبٍ كبيرٍ للطبقات العاملة والمتوسّطة في المجتمع الأميركي، في العمل على نُظُم وتشريعات أكثر عدالةً وتوازناً. وسيؤدّي ذلك بالضرورة إلى مواجهة حادّة مع أفكار ترامب وأنصاره اليمينيين المتطرّفين، خصوصاً مع انتصار الديمقراطيين في انتخابات حكم بعض الولايات، ما يعني أن أكثر من ممداني قادمون إلى الساحة الأميركية، لتواجه الديمقراطية الأميركية التي لا يعترف بها الترامبيون امتحانات صعبة، وربّما عنيفة.

58A20E76-8657-4557-85A3-A5682BEB4B9A
سامح راشد

باحث مصري متخصص في العلاقات الدولية والشؤون الإقليمية للشرق الأوسط. درس العلوم السياسية وعمل في مراكز أبحاث مصرية وعربية. له أبحاث ومقالات عديدة في كتب ودوريات سياسية.