ماكرون يذكي صراع الهويات القاتل

07 أكتوبر 2020
الصورة
+ الخط -

اختار الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، أن يسجل "الدخول" السياسي والإجتماعي في بلاده بتركيز النقاش حول ما يسميه "الإسلام الإنفصالي" أو "الإنعزالية الإسلامية"، (حسب الترجمة)، في وقت تشهد فرنسا أزمةً صحيةً واجتماعيةً واقتصاديةً غير مسبوقة ، بسبب جائحة كورونا. وفي خضم تقديمه مشروعه، ذهب به حديث إلى إصدار تصريحات مشوّشة ومقلقة عن الإسلام والمسلمين، في محاولةٍ مكشوفةٍ لإخفاء إدارته الكارثية للأزمة الصحية والاجتماعية التي تعيشها بلاده.

ما أراد ماكرون قوله، من وراء خطابه الطويل نسبيا، أن بعضا من أفراد الجالية المسلمة في فرنسا يعزلون أنفسهم داخل غيتوهات ثقافية وقيمية ولغوية، تجعلهم يعيشون منفصلين عن المجتمع الذي يوجدون فيه داخل بوتقةٍ تشجّع على إنتاج التطرّف. ومن أجل التصدّي لهذه "الانعزالية الإسلامية" الساعية إلى إقامة نظام مواز ومعاد للمجتمع الفرنسي، أعلن ماكرون عن جملةٍ من التدابير، للحدّ مما يعتبره خطرا يهدّد القيم التي يقوم عليها بنيان المجتمع الفرنسي.

ما أراد ماكرون قوله، من وراء خطابه الطويل نسبيا، إن بعضا من أفراد الجالية المسلمة في فرنسا يعزلون أنفسهم داخل غيتوهات ثقافية وقيمية ولغوية

صحيحٌ أن بعض المهاجرين المسلمين، بل وحتى داخل الجالية الفرنسية المسلمة يوجد انعزاليون، كما هم موجودون في كل الديانات الأخرى. ويوجد متطرّفون كذلك، وهذه ظاهرة لا يخلو منها أي مجتمع، لكن لم نسمع من قبل عن سنّ قوانين تستهدف فئةً اجتماعيةً بعينها أو بصفة دينها. وما أقدم عليه الرئيس الفرنسي يتناقض تماما مع الدستور الفرنسي، ومع القيم العلمانية التي تقوم عليها الجمهورية الفرنسية، بل إنه من خلال قوانينه الجديدة يسعى إلى تقسيم المجتمع الذي يدّعي بأنه يحميه ضد ما يصفها نزعة الانفصال الإسلامية.

تسمية ماكرون "الإنفصالية الإسلامية" تعبير فجّ، بل وعنصري أيضا، لأنه يستهدف الفرنسيين أصحاب هوية معينة، ويستهدف دينا معينا هو الإسلام، وهو، في نهاية الأمر، ليس سوى تعبير عن فشل سياسات الإندماج والهجرة المتبعة في فرنسا منذ عدة عقود، والتي أدّت إلى تهميش فئات واسعة من شرائح المجتمع الفرنسي وعزلها داخل غيتوهات عمرانية وهوياتية خانقة. ولا سبيل للتغطية على هذا الفشل إلا من خلال بعث صراع وهمي ما بين الهوية والمواطنة. يحدث هذا في دولةٍ علمانيةٍ يتعامل دستورها مع مواطنين بالدرجة الأولى، من دون أي تمييز بسبب الدين أو العرق أو اللون أو الأصل، فالرجل يبحث عن "حصان طروادة" لحملته الانتخابية المقبلة، ووجد في إذكاء الصراع حول الهوية، في سياق عالمي يتسم بتنامي صراع الهويات، مطيّته لتحقيق أهدافه السياسية.

صراع الهويات الذي يحاول ماكرون إذكاءه ليستعمله حطبا في حملته الإنتخابية المقبلة ما هو سوى تعبير عن فشل السياسات النيوليبرالية نفسها المتبعة في فرنسا منذ عقود

صراع الهويات الذي يحاول ماكرون إذكاءه ليستعمله حطبا في حملته الإنتخابية المقبلة ما هو سوى تعبير عن فشل السياسات النيوليبرالية نفسها المتبعة في فرنسا منذ عقود، والتي تعتبر الظاهرة الماكرونية أحد منتوجاتها الصرفة، وإحدى نتائجها الكارثية تتمثل في ارتفاع نسب البطالة، وفي زيادة الفوارق الاجتماعية، وفي تخلي الدولة تدريجيا عن تحمّل مسؤوليتها في الرعاية الاجتماعية، وقد تجلت مظاهر هذا الفشل، بوضوح، في الحركة الاجتماعية "السترات الصفراء"، وفي بروز التناقضات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية داخل النسيج الفرنسي، والتي عرّتها بوضوح غير مسبوق جائحة كورونا. 

وللتذكير فقط، جاء صعود ماكرون، باعتباره ظاهرة سياسية غير مألوفة في السياق الفرنسي، على أثر انهيار القطبية السياسية التي هيمنت على الجمهورية الفرنسية الخامسة منذ نهاية خمسينيات القرن الماضي، بسبب تهافت اليمين واليسار التقليديين في فرنسا، اللذين شكلا قطب الثنائية الحزبية، على السياسات النيوليبرالية التي سادت العالم بعد سقوط جدار برلين وانهيار الإتحاد السوفياتي وبروز التيارات الشعوبية في أوروبا والغرب عموما.

ومع اقتراب الاستحقاقات الإنتخابية المقبلة، يدرك ماكرون أن الساحة السياسية الفرنسية خالية من أي منافسة قوية بسبب فقدان الفرنسيين الثقة في السياسة، وفي النخب السياسية التقليدية، وأن منافسه القوي في أي سباق انتخابي سيكون هو اليمين الشعبوي المتطرّف. ولذلك يسارع من الآن في إعداد العدّة لسحب السجاد من تحت قدميه، والمزايدة عليه بإلقاء مزيد من الزيت في نار الهويات القاتلة، لبعث الفزع لدى الفرنسي العادي ودفعه للبحث عن الحماية من الخطر الداهم التي يتهدد نمط عيشه وطريقة تفكيره.

يسعى اليمين الأوروبي، خصوصا في فرنسا، إلى أن يعطي لهذا الإنقسام داخل مجتمعاتهم بعدا دينيا يتّخذ من الإسلام عدوا له لتبرير حروبهم الهوياتية

إن ماكرون بحسه البرغماتي الذي اكتسبه من خبرته في عالم المال والأعمال الذي جاء منه، يدرك جيدا أن صراع الهويات هو ميزة هذا العصر وبالتالي فهو يعرف جيدا كيف وأين ومتى يستثمر في مثل هذا الصراع ليجيّره لحساب حملته الانتخابية المقبلة. وما يجري في فرنسا ما هو سوى رجع صدى لما يحدث في العالم الذي يشهد تصاعدا في حروب الهويات في أكثر من مكان، وفي صعود تيارات يمينية تقتات على هذه الحروب. وليست هذه الظاهرة وليدة اليوم، وإنما تعود إلى نهاية الحرب الباردة وبروز السياسات النيوليبرالية التي عمّقت الفروق الاجتماعية في أكثر من دولة، وتضخمت مع تنامي التيارات الشعبوية في أوروبا، وفي أميركا، مع وصول دونالد ترامب إلى السلطة عام 2016، ما أدّى إلى تقوية خطاب الهوية والقومية للتغطية على الفشل الاقتصادي لتلك السياسات النيوليبرالية. وكانت النتيجة هي ارتفاع عدد الفقراء في الدول المتقدّمة وزيادة الفوارق الاجتماعية داخل مجتمعاتها. 

تسمية ماكرون "الإنفصالية الإسلامية" تعبير عنصري لأنه يستهدف الفرنسيين أصحاب هوية معينة

وإذا كان الإنقسام في أميركا قائماً على أساس عرقي تغذّيه اليوم السياسات الاجتماعية والتصريحات العنصرية لترامب، يسعى اليمين الأوروبي، خصوصا في فرنسا، إلى أن يعطي لهذا الانقسام داخل مجتمعاتهم بعدا دينيا يتّخذ من الإسلام عدوا له لتبرير حروبهم الهوياتية، ويكاد الشيء نفسه يتكرّر في بلد مثل الهند، حيث يبني الحزب الحاكم "بهاراتيا جاناتا" اليميني المتطرّف شرعيته على رفض الأقلية المسلمة. ولعل الحالة الهندية أقرب بكثير مما يجري اليوم في فرنسا في ظل حكم الرئيس إيمانويل ماكرون، إذ يتمحور الصراع الهوياتي في فرنسا على طريقة اللباس، فيما يركز في الهند على النظام الغذائي. وفي كلتا الحالتين، ما يجمع بين الهندوسي المتطرّف واليميني الفرنسي المتطرف هَوسهما المعادي للإسلام والمسلمين، وهو ما تجسّده الخطابات المتشنجة، من قبيل خطاب الرئيس الفرنسي أخيرا عن "الانفصالية الإسلامية".

ما نشهده اليوم من هذا التصعيد المقيت والمميت لخطاب صراعات الهويات القاتل ما هو سوى محاولة لتهريب النقاش من جوهره الأساس، وهو مجال العدالة الإقتصادية ومكافحة عدم المساواة والتمييز الإجتماعي. فحتى يتم إبعاد النقاش عن الموضوع الاقتصادي، وإخفاقات سياساته الاقتصادية والاجتماعية، يسعى ماكرون إلى تغذية توترات مفتعلة، متعلقة بالهوية وصراعاتها اليائسة، وجرّ النقاش نحو قضايا الحدود والهجرة وصراع الهويات. وهذا في حد ذاته يتضمّن إعلانا صريحا عن فشل السياسات النيوليبرالية التي لا يستطيع أصحابها أن يعيشوا ويحيوا من دون وجود حروب وصراعات لإشباع نهمهم إلى تكديس الثروات وجشعهم المفرط نحو السلطة وامتيازاتها.