ماكرون المكيافيلي في بيروت

21 سبتمبر 2020
الصورة

ماكرون يتحدث للصحفيين في مقر السفير الفرنسي في بيروت (1/9/2020/فرانس برس)

+ الخط -

معروفٌ عن الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، أنه يُقحم، في حديثه عن أمور المجتمع والدولة، أقوال أرسطو ورامبو وهيغل وبودلير وريكور وغيرهم. يردد أقوالا لشعراء، وعلماء، وفلاسفة، أثروا فيه، غير أن كاتبا واحدا يعرفه أكثر من غيره، نيكولا مكيافيلي، فقد خصّص ماكرون لهذا السياسي الإيطالي الذي دخل التاريخ بكتابه "الأمير"، بحثا لنيل دبلوم الإجازة في الفلسفة من جامعة باريس - نانتير في عام 2000. ولكن من الطبيعي أن يجد ماكرون حرجا في أن يُبدي إعجابه بهذا الكاتب الذي اكتسب سمعةً سيئةً عبر العصور، لتشجيعه الحكام على التظاهر بالصدق وممارسة الخداع من منطلق "الغاية تبرّر الوسيلة". ولكن تأثير مكيافيلي على الرئيس الفرنسي حاضر جدا في سياساته، ولعل أهم لحظة مكيافيلية في مسيرته كانت في بيروت، غداة انفجار الرابع من أغسطس/ آب المنصرم.
في بيروت، سيمتثل الرئيس الفرنسي لإحدى نصائح شيطان السياسة التي يوصي فيها الأمير، بأن يبدو رحيما وصادقا ومستقيما ومتدّينا أمام من يراه ويسمعه، لأن العالم يتكون من عامّة الناس، والعامّة لا تحكم على الأشياء إلا حسب ما تراه أعينها من مظهرها الخارجي. لن يجد ماكرون صعوبةً في تقمص شخصية الأمير الفاضل، فقد كان التمثيل إحدى هواياته، إذ لم يكن عمره يتجاوز الخمسة عشر عاما، حين وقف على خشبة المسرح المدرسي وشدّ الجمهور بأدائه الدرامي.

جعل الرئيس الفرنسي بعضهم يصدّق أنه جاء لينقذ الشعب اللبناني من قبضة النظام، في حين أنه أنقذ النظام من غضب الشعب

في بيروت، سيمارس ماكرون دبلوماسية الابتسامة، واللمس، والمصافحة، والعناق بانتقائية. امتنع بأدبٍ عن مصافحة الرئيس ميشيل عون، لحظة وصوله إلى مطار بيروت، وارتمى في أحضان الشعب بجوار المرفأ، كي تُعَنْوِنَ الصحافة: "لم يصافح عون، وعانق الشعب". كان الدّور محبوكا في أدقّ تفاصيله ومشاهده، حسب سكريبت "بحبّك يا لبنان"، الذي سيتضمن إخراجه في الزيارة الثانية، زرع أرزة، وشرب فنجان قهوة مع فيروز، والاجتماع بالبطريرك بشارة الراعي، والبكاء على كتف ماجدة الرومي. في بيروت، تفقّد الرئيس أحياء العاصمة المدمَّرة مشمّرا عن ساعديه، وكأنه جاء ليعيد بناء العاصمة بيديه. اختلط بالحشود إلى حدّ الالتصاق بها، ليُشعر الشعب اللبناني بأنه قريب منه إلى حد التلاحم. تحرّك تحت هتافات "تحيا فرنسا"، وتنديدات بإجرام الطبقة الحاكمة وفسادها. أخبر اللبنانيين بأنه جاء ليساعدهم بلا شروط، وتعهّد بعدم تسليم المساعدات الإنسانية للفاسدين. وبعد أن نزع الثقة عن الحكومة، تعهد بـ "ميثاق سياسي جديد"، ودعا إلى "تغيير عميق". 
جعل الرئيس الفرنسي بعضهم يصدّق أنه جاء لينقذ الشعب من قبضة النظام، في حين أنه أنقذ النظام من غضب الشعب. هرول إلى بيروت في أكثر الأوقات حرجا بالنسبة للنظام، في وقتٍ ضاق فيه الخناقان، المحلي والدولي، على الطبقة الحاكمة، وفي مقدمتها حزب الله. اتجهت أصابع اتهام نحو الحزب، بناءً على شهادات تفيد بتخزينه سلاحا في المرفأ، الأمر الذي نفاه أمين عام الحزب، حسن نصرالله. دخل ماكرون على الخط، لحظة تزلزلت الأرض تحت أقدام حزب الله، وأنذرت بانفجار شعبي في وجهه. اقتحم بيروت في بداية غليان غير مسبوق وعابر للطوائف، وازدياد السخط الدولي على هذا التنظيم. كانت لحظة مواجهة، وفرصة تاريخية للمساءلة، والتركيز على تحقيق مستقل، وحسم موضوع سلاح حزب الله والطائفية. من الصعب التكهن ما كانت ستؤول إليه الأمور، لو لم يتدخّل ماكرون في مجرى الأحداث، ولكن يمكن تقييم التغييرات التي أحدثها هذا التدخل على الساحة اللبنانية.

امتنع ماكرون بأدبٍ عن مصافحة الرئيس ميشيل عون، لحظة وصوله إلى مطار بيروت، وارتمى في أحضان الشعب بجوار المرفأ

خطفت زيارة الرئيس الفرنسي الأضواء، وباتت حديث الساعة، فتحوّل الموضوع من التفجير إلى ما بعد التفجير، ومن سلاح حزب الله إلى شرعيته، ومن مسؤولية الطبقة الحاكمة في هذه الجريمة إلى مسؤوليتها في مشروع الإصلاح. بدّد ماكرون غضب الشارع قبل أن يبلغ ذروته، ويخرج عن السيطرة. لطّف الأجواء بتفاؤله، ووعوده التي تشبه الوعود الانتخابية، ومطالبته بتحقيق دولي، وكأن دولته لم تنشر على الأقل 22 محققا لتقف بنفسها على حقيقة الجريمة، وتمسّك بها بوصفها ورقة ضغط سياسية وراء الكواليس. احتوى الوضع إلى حد كبير، ثم طار إلى عاصمة الجن والملائكة، بعد أن بعثر الأوراق وراءه، وترك الجميع يحلل ويناقش دوافع هذه الزيارة ودلالاتها، ويترقب الجديد في ما باتت توصف بـ"مبادرة ماكرون".
وقف بعضهم حائرا أمام ما يعنيه الرئيس الفرنسي بتغيير النظام السياسي، مع دفاعه عن شرعية النظام، وبناء الثقة مع من لا ثقة له بها، وشرعنة سياسة حزبٍ مسلح، والمساعدة الإنسانية بلا شروط، باستثناء شرط الإصلاح في ظل الفساد الهيكلي، المنظم. وحتى لا يتهمه أحد بالكذب والخداع، أوضح الرئيس للصحافة في بيروت أن الالتزام يتم في إطار الجدلية، وأن "الثقة لا تنبني إلا على الحقيقة، والوقائع، والجدلية التي تلازمهما". وحين يتحدّث ماكرون عن الجدلية، فإنه يعني بها جدلية الفيلسوف هيغل الذي خصّص له بحثا لنيل دبلوم الدراسات المعمقة. ولا يهم الرئيس من هيغل إلا التناقض، حتى لا يجد حرجا في أن يصف نفسه بأنه "مثالي - براغماتي"، "يميني ويساري في الوقت نفسه"، يؤمن بـ "الطوباوية الملموسة"، و"التدمير الخلاق".

وقف بعضهم حائرا أمام ما يعنيه الرئيس الفرنسي بتغيير النظام السياسي، مع دفاعه عن شرعية النظام، وبناء الثقة مع من لا ثقة له بها

يقول ماكرون الشيء ونقيضه، ويَعِدُ بشيء ويفعل عكسه، فقد وعد اللبنانيين بتغيير النظام، ثم نجح في فكّ العزلة عن هذا النظام، بل شرعنه بدعوى أنه منتخب. تحدّث عن المساءلة، وساعد الطبقة الحاكمة على النجاة من المحاسبة في لحظة حاسمة. دعم حياد البطريرك الراعي، وتحيَّز لحزب الله، فكان مَلَكِيًّا أكثر من الملك، فلطالما رفض قادة التنظيم التمييز بين جناحيه، العسكري والسياسي، وشدّدوا على أن حزب الله كيان واحد غير قابل للتجزئة، وأن جهاده المسلح ونشاطه السياسي وجهان لعملة واحدة.
لم يتوقف ماكرون عند دفاعه عن شرعية الجناح السياسي لهذا الحزب، بل تعدّاه إلى محاولة التغاضي عن سلاحه غير الشرعي، سيف ديموقليس المسلط على رقبة الشعب اللبناني. ولولا الصحافي الفرنسي، جورج مالبرونو، الذي وبخه الرئيس أمام الملأ، لما علمنا باللقاء الذي جمعه بالنائب محمد رعد، رئيس كتلة حزب الله النيابية، يوم 6 أغسطس/ آب الماضي في بيروت. غضب ماكرون، لأن صحيفة لوفيغارو الفرنسية نشرت للصحافي مقالا ينقل ما دار بين الرجلين في لقاء قصير، اقترح خلاله ماكرون على حزب الله هذه الصفقة: "لن نزعجكم في مسألة أسلحتكم، وفي نقطتين أو ثلاث نقاط تهمكم؛ لكن في المقابل، ضخّوا الأوكسجين في النظام، اقبلوا اللعبة، لأننا لا نستطيع الاستمرار هكذا، وسيغرق مناصروكم إذا ما غرق النظام".
الأوكسجين هو تحديدا ما كان ينقص حزب الله آنذاك، وهو ما زوّده به الرئيس الفرنسي، فاستجمع أنفاسه، وعاد يتحكم في مفاصل الحكم، ويعرقل المبادرة الفرنسية التي سبق أن رحب بها. يبدو أن نصر الله وإيران أكثر مكرا من ماكرون، ويطبقان عليه مقولة مكيافيلي: يا لها من متعةٍ مضاعفةٍ عندما تخدع المخادع!