"ماغا" والغضب الأبيض

24 يناير 2021
الصورة
+ الخط -

انتهت رئاسة دونالد ترامب الولايات المتحدة وانقضت تغريداته، لكن صفحته لم تُطو بعد. قبل مغادرته واشنطن، وعد أنصاره بلعب دورٍ ما في المستقبل، وذكّرهم أن الحركة التي أطلقوها ما تزال في بداياتها. ما زال الرجل يتمتع بقاعدة شعبية واسعة وصلبة، تنطبق عليها قولته: "حتى إن وقفتُ في شارع فيفث أفنيو (في نيويورك) وأطلقتُ النار على شخص ما فلن أخسر صوتا". بالفعل، لقد شهدت فترة رئاسته شتى الفضائح، خضع لتحقيقاتٍ عدّة، عَزَله مجلس النواب وبرَّأه مجلس الشيوخ، تسبب سوء إدارته الجائحة في وفاة زهاء 400 ألف شخص وهلاك الاقتصاد، حرّض على العنف والعنصرية والتمرّد على الدولة وهو يترأسها. وعلى الرغم من من هذه الحصيلة الكارثية حظي بتصويت 74 مليون أميركي. وعلى الرغم من خسارته الرئاسة، لم يخسر ولاء قاعدته الشعبوية.
حتما سيعود ترامب، لأنه لا يستطيع العيش بعيدا عن الأضواء، ولأن التيّار القومي بانتظاره، تيار يعود تنظيمه إلى منتصف التسعينيات، حين تشكّلت جماعات يمينيةٌ متطرّفة ومليشيات تطلق على نفسها اسم "الحركات الوطنية"، وتعتبر السلطة الفيدرالية أكبر عدوّ لها، وتتهمها بالتآمر على المواطنين البيض من أصول أوروبية. جرّاء تنصيب باراك أوباما رئيسا للبلاد، قفز عدد هذه التنظيمات من 149 مجموعة في العام 2008 إلى 1274 مجموعة مع نهاية 2011، حسب إحصائيات مركز قانون الفقر الجنوبي (SPLC). ارتفاع صاروخي يعزوه المركز إلى رفضهم رئيسا أسود، وتغيير البنية العرقية للبلاد والأزمة الاقتصادية وانتشار نظريات المؤامرة. انخفض عدد هذه المجموعات بنحو 40% بوصول ترامب إلى الحكم وتبنّيه قضاياهم، حسب إحصائيات المركز للعام 2016، لكن هذا التيار المتطرّف مرشّح للصعود من جديد في ظل أزمة الشّرعية التي لحقت بالرئيس جو بايدن. 
وتظهر استطلاعات الرأي التي أُجريت بعد أحداث اقتحام الكونغرس أن ثلثي الناخبين الجمهوريين يعتبرون بايدن رئيسا غير شرعي، سرق الانتخابات من ترامب. أما نائبته، كامالا هاريس، فلا تحظى بقبول القوميين، لكونها وُلدت في ولاية كاليفورنيا لأبوين مهاجرين من جامايكا والهند، عاشت خمس سنوات في كندا، حيث تلقت تعليمها الثانوي، تشبّعت بثقافة والدتها الهندوسية، اختارت أن تكون مسيحيةً معمدانيةً، وتزوجت من أميركي يهودي. هذه الخلفية المتعدّدة الأعراق والثقافات جعلت وصول هاريس إلى البيت الأبيض يجسّد، في الوقت نفسه، "الحلم الأميركي" لدى الديمقراطيين، وكابوس الأقليات لدى القوميين. ولقد سبق لترامب أن صرّح إن انتخابها سيكون بمثابة "إهانة لأميركا"، وحاول التشكيك في أهليتها لمنصب نائبة الرئيس، مثلما فعل مع أوباما من قبل.

تظهر إحصائيات انخفاض الولادات في صفوف الأميركيين البيض من أصولٍ أوروبيةٍ إلى نسبة 49.6%، مقابل 50.4% للسود والآسيويين والأميركيين القادمين من بلدان أميركا اللاتينية

في المجلد الأول من كتاب مذكراته "أرض الميعاد"، اعتبر أوباما فوز ترامب بالرئاسة انتقاماً للحزب الجمهوري من خصمه الديمقراطي الذي أوصل رجلا أسود إلى البيت الأبيض، مضيفا "وكأن مجرّد وجودي في البيت الأبيض قد أثار ذعراً عميقاً، شعورًا بأن النظام الطبيعي قد تزعزع .. هذا تحديدا ما أدركه دونالد ترامب، حين بدأ يروّج مزاعمه بأنني لم أولد في أميركا وأنني بالتالي رئيس غير شرعي". الحقيقة أن ترامب لم يكن أول من شكّك في أن أوباما وُلد في أميركا، فقد أثارت عدة شخصيات هذا الموضوع قبله، بمن فيهم مارك بين، كبير مستشاري حملة هيلاري كلينتون الرئاسية لعام 2008، الذي اعتبر أن أوباما "تنقصه جذور أميركية". 
في نظر جزء من الأميركيين، لم يكن أوباما أميركيا "خالصا" بما يؤهله للرئاسة، لكونه ابنا لأب كيني مسلم، ولد في هاواي خارج ما يعرف بأميركا القارّية، وقضى جزءًا من حياته خارج البلاد. أزعج فوزه بالرئاسة فئة من البيض يُقلقها تقدّم الأقليات في البنية الديمغرافية للبلاد وصعودها السّلم الاجتماعي، وخوفها من أن تتحوّل الأغلبية البيضاء إلى أقليّة، في بلاد نصّ فيها قانون عام 1790 على أن الجنسية تُمنح للبيض فقط. كان هذا الخوف بارزا في احتجاجات حركة "حفل الشاي" الجمهورية التي تشكلت في بداية 2009، احتجاجاً على تنصيب أوباما رئيسا، وخطة إدارته لإنعاش الاقتصاد. في هذه الاحتجاجات، رُفعت شعارات من قبيل: "خطة أوباما تساوي عبودية البيض"، "ادعموا جو وبول" أو "لسنا عنصريين، نحن قلقون فحسب". 
بحلول العام 2013، صدرت أرقامٌ رسميةٌ عن مكتب الإحصاء المركزي عمّقت القلق العرقي، إحصائيات تفيد بانخفاض الولادات في صفوف الأميركيين البيض من أصولٍ أوروبيةٍ إلى نسبة 49.6%، مقابل 50.4% للسود والآسيويين والأميركيين القادمين من بلدان أميركا اللاتينية. لأول مرة في تاريخ الولايات المتحدة يفقد البيض المرتبة الأولى في البنية السكانية، ويتحوّلون إلى أقلية إلى جانب الأقليات الأخرى. لم يستوعب الديمقراطيون أزمة الهوية التي تعيشها فئة من المواطنين، بما في ذلك قلق بعضٍ من تقدّم اللغة الإسبانية والديانة الكاثوليكية على حساب اللغة الإنكليزية والمذهب البروتستانتي؛ قلقٌ سبق أن حذّر منه منظّر "صراع الحضارات"، صموئيل هنتنغتون، في كتابه "من نحن؟". ولم يأخذوا أيضا على محمل الجد فقر ويأس فئة من أميركا البيضاء، والتمييز الذي يطاولها.

يكفي التذكير بأن ملايين البيض يعيشون تحت خط الفقر، ويقطنون عربات السكن المتنقلة والمتناثرة في الأرياف وخارج المدارات الحضرية.

نشر باحثون في جامعة برينستون الأميركية، في العام 2015، دراسة توضح أن الأميركيين البيض من أصل أوروبي يتصدّرون ضحايا ما يعرف بـ "وفيات اليأس"، ويموتون في منتصف العمر بسبب الانتحار والإدمان على الكحول والمخدّرات. أشار إلى هذا أيضا ديفيد فروم في كتابه "الترامبوقراطية: فساد الجمهورية الأميركية"، إذ ذكر أن الرجال البيض يمثلون أزيد من ثلثي حالات الانتحار، ودليلا على تجاهل الديمقراطيين "وفيات اليأس"، أفاد بأن صحيفة نيويورك تايمز تداولت مصطلح "transgender" (المتحوّلون جنسياً) 1169 مرة في العام 2015، في حين أنها لم تذكر كلمة "opioid"، أو المخدّرات الأفيونية التي تحصد حياة البيض أكثر من غيرهم، إلا 284 مرة.
معاناة هذه الفئة من الأميركيين حقيقية، ويكفي التذكير بأن ملايين البيض يعيشون تحت خط الفقر، ويقطنون عربات السكن المتنقلة (trailer homes)، والمتناثرة في الأرياف وخارج المدارات الحضرية. يَحُول تهميشهم دون حصولهم على شهاداتٍ جامعيةٍ تتيح لهم تسلق السّلم الاجتماعي، وتحقيق الحلم الأميركي الذي سَعد به أوباما أو كامالا هاريس وغيرهما من الأقليات. وبدل أن ينالوا شيئا من التعاطف، كانوا وما زالوا عرضةً لسخرية الجميع. ففيما تعتبر مفردة "الزنوج" مرفوضة في أميركا، فإن "القمامة البيضاء" ((white trash مقبولة إلى حدّ ما، وتتداولها عناوين الصحف والمجلات يمينا ويسارا. ورث الأميركيون وصف الفقراء البيض بـ "القمامة" عن الاستعمار البريطاني الذي صدّر إلى العالم الجديد كمية من الخَدَم، والمشرّدين، المتسولين، والمجرمين، للتخلص ممّن كان يعتبرهم حرفيا "زبالة" أو (Rubbish). 
استمرّت مأساة البيض في "أرض الميعاد"، ورصدتها الكاتبة الأميركية، نانسي إيزنبرغ، في كتاب قيّم صدر لها في 2017 بعنوان "القمامة البيضاء: 400 عام من تاريخ الطبقية الأميركية المسكوت عنه". الصادم في هذا البحث التاريخي أن هذه الطبقة المنبوذة، والمحرومة من حيازة الأرض والتعليم، لم تتعرّض للازدراء من "الأسياد البيض" فقط، بل من السود أيضا، إذ تُرجّح الأغاني الشعبية التي درستها إيزنبرغ أن العبيد هم من أطلقوا عليهم هذه الأوصاف العنصرية: "القمامة البيضاء" و"الأعناق الحمر" و"الزنوج البيض". واللافت أيضا أن هذه النعوت أصبحت اليوم تطلق على أنصار ترامب الذين لم تتردّد هيلاري كلينتون في وصفهم "سلة المخلّفات" (basket of deplorables)، في خضمّ حملتها الرئاسية للعام 2016.

الأخطر اليوم، أن "أسياد" البارحة مؤمنون أنهم تحولوا إلى عبيد سلطة فيدرالية شرّيرة تتآمر عليهم، وتحاربهم عبر سياسات التفقير وتشجيع الهجرة وتمكين الأقليات

من الواضح أن ما تعيشه أميركا من اضطرابات هي بالأساس تراكماتُ ماضٍ لم يمض بعد، مشكلات طبقية وعرقية تطفو إلى السطح بين الفينة والأخرى، لتذكّر المجتمع بأنه على عكس السردية المتداولة، لم يتمتع كلّ البيض بـ "امتيازات"، وأن الحقد العنصري متبادلٌ بين البيض والسود. ومن الواضح أيضا أن انتهاء الحرب الأهلية باستسلام الجنرال أي لي قائد القوات الكونفيدرالية (الولايات الجنوبية) للجنرال غرانت، قائد قوات الاتحاد الفيدرالي في العام 1865، في ولاية فيرجينيا، لم يُترجم على أرض الواقع بقبول كل الجنوبيين مبدأ المساواة بين البيض والسود. مع مرور الوقت، أعاد المنهزمون كتابة تاريخ هذه الحقبة، وجاؤوا بسردية تزعم أن الجنوب لم يحارب "العدوان الشمالي" من أجل إبقاء مؤسسة العبودية، وإنما للحفاظ على نمط حياته وحماية سيادته من تسلّط الحكومة الفيدرالية في واشنطن. وتعرف هذه الأيديولوجيا الراسخة لدى ملايين الأميركيين بـ "القضية المفقودة"، وَتَرٌ جدّ حساس لعب عليه ترامب، عندما رفض طلب مظاهرات حركة "حياة السود مهمة" تغيير أسماء قواعد عسكرية تحمل أسماء جنرالات الكونفيدرالية، وأصرّ على إبقاء ثماثيل تجسّد هذا الإرث الثقيل. 
الأخطر اليوم، أن "أسياد" البارحة مؤمنون أنهم تحولوا إلى عبيد سلطة فيدرالية شرّيرة تتآمر عليهم، وتحاربهم عبر سياسات التفقير وتشجيع الهجرة وتمكين الأقليات. وجد هؤلاء ضالّتهم في شخصية ترامب، فالتفوا حوله، وحوّلوا عبارة "اجعل أميركا عظيمة مرة أخرى"، المعروفة اختصارا بعبارة "ماغا" أو (MAGA)، من شعار لحملته الرئاسية إلى حِراك شعبي قادر على القيام بتمرّد مسلّح. فما عسى أن يقدّمه لهم هذا الرجل النرجسي إلى حد الاضطراب؟ لا شيء، سوى الغضب. أهم إنجازات ترامب أنه تمرّد على ثقافة "اللياقة السياسية" (political correctness)، وأطلق العنان لما بات يعرف بـ "الغضب الأبيض" الذي تقوده تنظيمات "الأولاد الفخورون" و"كيو أنون" و"حفظة القسم" و" الثلاثة في المائة"، ومجموعات متطرّفة أخرى تحلم بالرجوع إلى أميركا يسودها البيض. 
عودة ترامب، واستئنافه أي نشاط سياسي أو إعلامي، من شأنهما أن يؤجّجا هذا الغضب، ويدفع إلى مزيد من التمرّد على النظام وأحزابه ومؤسساته ومبانيه ومواطنيه، اللهم إذا كفّ الديمقراطيون عن اتهام قاعدته بـ "الإرهاب"، وحاولوا العمل مع الجمهوريين لإيجاد أجوبة لمشكلات الفقر والعِرق والهوية، بدل سياسة دفن الرؤوس في الرمال.