ماراثون تفاوضي جديد

21 فبراير 2021
الصورة
+ الخط -

بعد فترة أولى من جسّ النبض والرسائل غير المباشرة بين الإدارة الأميركية الجديدة وإيران، يبدو أن الصورة بدأت تتضح بالنسبة إلى مسار الأمور في ما يخص العقوبات التي فرضتها إدارة دونالد ترامب على طهران والاتفاق النووي الذي انسحبت منه. مسار ينحو باتجاه التهدئة مع إيران وتخفيف الضغط، تمهيداً للعودة إلى الاتفاق، بعد تعديلات تطالب بها الإدارة الأميركية والدول الأوروبية. غير أن الطريق نحو هذه الغاية لن تكون مفروشة بالورود، خصوصاً في ظل الرفض الإيراني، العلني على الأقل، لإدخال أي تعديلاتٍ جديدةٍ على الاتفاق. هذا الكلام العلني قد لا يعني رفضاً كاملاً من إيران لتقديم تنازلات على مراحل، ولا سيما أن الجمهورية الإسلامية تتوق للخلاص من سيف العقوبات القاسية التي فرضتها إدارة ترامب، وأودت بالبلاد إلى حافّة الإفلاس، وفاقمت الأزمة الاقتصادية للمواطنين الإيرانيين، وكادت تؤدي إلى انتفاضة شعبية.

هذه المعطيات تضعها إيران في عين الاعتبار اليوم، وهي تتجه إلى جلسات تفاوضية جديدة مع الدول المشاركة في صياغة الاتفاق النووي الأول. ووفق سياسة حياكة السجاد، التي تشتهر بها البازارات في إيران، ستسير المفاوضات الجديدة مع الدول الغربية، كما سارت المفاوضات الأولى. نحن أمام ما يمكن أن يكون ماراثوناً تفاوضياً جديداً بين إيران ودول "5+1"، أي الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وروسيا والصين بالإضافة إلى ألمانيا. لا شك في أن طهران ستحرص جيداً على الاستفادة من هذا الماراثون، تماماً كما فعلت في عهد الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما في عام 2015 عندما توصلت الدول إلى الاتفاق النووي، ولا سيما أن ما يظهر اليوم هو أن عهد الرئيس الأميركي جو بايدن امتداد لعهد أوباما، مع بعض التعديلات التي فرضتها إدارة دونالد ترامب، والتي لا تنوي الإدارة الجديدة التخلي عنها.

يمكن تذكّر الواقع الذي تشكّل في فترة المفاوضات الأولى مع طهران، وما نالته إيران من غض طرف أميركي عن توسع نفوذها في المنطقة العربية، وخصوصاً في اليمن والعراق وسورية ولبنان، قبل أن تكرّسه أكثر بفعل ما سمح لها به الاتفاق من تخفيف للعقوبات وعودة السيولة للدخول إلى البلاد. اليوم طهران ترنو إلى مثل هذا الأمر من جديد، والسعي إلى شراء المزيد من الوقت مع الدول الغربية، والسير في إطار تفاوضي جديد تلقي خلالها عن كاهلها عبء العقوبات التي فرضتها إدارة ترامب، مقابل بعد التنازلات البسيطة في ما يتعلق بالنشاط النووي، والتي لن تغير الكثير من الاتفاق الأصلي، ولا سيما أن طهران استغلت الانسحاب الأميركي من الاتفاق لتتجاوز الحدود التي وضعها الاتفاق، سواء في التخصيب أو في التفتيش.

على هذا الأساس، تعلم طهران تماما ما ستفعله في هذه المفاوضات، في حال سارت على ما يرام في ضوء "الاجتماع غير الرسمي" المقبل. فالعودة إلى أصل الاتفاق النووي، وهو ما تريده الدول الغربية بالحد الأدنى، لن يكون من دون مقابل، فكل خطوة في هذا الاتجاه سيكون مقابلها إلغاء عقوبات وضعتها إدارة ترامب. الأمر الذي سيضع طهران في حالة الرابح، وخصوصاً أنها لم تكن تنوي الخروج عن الاتفاق النووي الأصلي لولا الانسحاب الأميركي، بالتالي فإن الخطوات التي تقوم بها حالياً لن تكون إلا للمساومة على العودة إلى الأصل. وخلال هذه الفترة ستكسب طهران مزيداً من الوقت وتخفيفاً من الحصار، وصولاً إلى التفاوض على البنود الجديدة التي تريد الدول الغربية إدراجها في الاتفاق. حينها سيكون للمفاوضات مسار آخر، يضع طهران مجدداً في موقع القوة في المنطقة، في إعادة لسيناريو التفاوض في عهد باراك أوباما، وهو سيناريو كانت دول المنطقة العربية هي الخاسر الأول فيه.