ماذا يريد ترامب من سورية؟

14 ديسمبر 2025
+ الخط -

غالباً ما يتم انتخاب رؤساء الولايات المتحدة لاعتبارات داخلية تخص الشأن المباشر للمواطن الأميركي، كالضرائب والوظائف وأسعار الفائدة٬ ورغم ذلك يحرص كل رئيس أن يترك بصمة سياسية عالمية قبل رحليه عن البيت الأبيض، وقد يرسّخ لها أكثر من مسؤولٍ نشط ضمن إدارته، وتتعدّد مضامير الفاعلية السياسية الأميركية، لتشمل الكوكب كله، فمنذ بداية الثلث الأخير من القرن الماضي، كان الرؤساء يلهثون بشدة للحصول على غنيمة سياسية ذات بعد عالمي، قبل الوصول إلى خط النهاية، منهم من ينجح وبعضهم يفشل. وقد يدفع رئيس أميركي بأوراقٍ كثيرة لتحقيق اختراق مهم، فقد دعا الرئيس جيمي كارتر أنور السادات ومناحيم بيغن إلى منتجع كامب ديفيد وحشرهم فيه أسبوعين، لم يخرجا منه إلا بعد أن اتفقا. ونجح كارتر في الوقوف بين السادات وبيغن في البيت الأبيض، وبأيادٍ متصافحة ظهرت صورتهم الشهيرة. ونشط الرئيس الذي تلاه ريغان في مجال التوقيع على منع انتشار الأسلحة ذات الدمار الشامل، أو الحدّ منها، وساعده حال الاتحاد السوفييتي الذي بدأ يتحلّل، في تحقيق بعض الإنجازات في هذا المجال.

كان الشرق الأوسط من الملاعب المفضلة لدى رؤساء أميركا، حيث الصراع الطويل المعقد بين العرب وإسرائيل، وحاول كل رئيس أميركي أن يساهم في حلحلة المعضلة، وربما بذل الرئيس كلينتون جهوداً جبّارة كلفته أن يلتقي الأسد الأب مرّتين، الأولى في دمشق والثانية في جنيف قبيل انتهاء مهمّته. ولكن كلينتون خرج من البيت الأبيض من دون أن يحقق غايته. أراد أوباما أن يرسي علاقات دولية جديدة في المنطقة، فأبدى انفتاحاً كبيراً على المسلمين في خطابه الذي ألقاه أمام البرلمان التركي في إسطنبول، وزار بعدها القاهرة للغرض ذاته، ولم تؤدِّ تلك السياسة نجاحاً كبيراً، ولم تفلح في تغيير النظرة الغربية العامة نحو الإسلام، فيما حقق الرئيس ترامب في فترته الأولى اختراقاً غير مسبوق في وصوله إلى اتفاقيات إبراهيم التي وقَّعت فيها أربع دول عربية اتفاقيات سلام مع إسرائيل في بداية فصل جديد ومختلف في العلاقات العربية الإسرائيلية، والتي تحوّلت بعدها المعادلة من الأرض مقابل السلام إلى السلام مقابل السلام.

حين وصل ترامب إلى البيت الأبيض في فترته الثانية، كانت فصائل المعارضة المسلحة في سورية قد نجحت في الوصول إلى دمشق. وبعد تحالفات إقليمية مهمّة، ومعركة خاطفة، هرب إثرها بشار الأسد إلى موسكو، وانهار نظامه بشكل سريع، مخلفاً دماراً واسعاً وشاملاً، وظهر بدلاً منه في المقر الرئاسي وجهٌ شاب باسم وطموح، والأهم يتبنى منهجاً فكرياً مناقضاً للسابق، مستخدماً لغة مفهومة وواقعية، ولم يفرد عضلات وهمية أو يطلق وعوداً مستحيلة، وأوقف العلاقات مع إيران، الدولة المشاغبة التي يحذرها الجميع في المنطقة، وكانت سبباً في عدم استقرار طويل الأمد، وأعاد جدولة العلاقات مع روسيا على أسس جديدة ومختلفة، كما رمّم العلاقة مع لبنان ومجموعة دول الخليج، وأبدى رغبة في العيش بسلام والتفرّغ لبناء الاقتصاد المدمَّر. تلقف ترامب هذه البادرة، وأراد أن يستثمر سياسيّاً في الإدارة السورية الجديدة، فأحاطها برعاية، وعيّن لها مبعوثاً خاصاً يدأب على بث جو من التفاؤل. وبخطوات متلاحقة، أزال جميع العقوبات التي كانت مفروضة على سورية، وعلى مجموعة أشخاص في السلطة الجديدة، ما يعني إعطاء الفرصة كاملة لهذا العهد، لأن يخرج من حالة الفشل التي تركها النظام السابق. وهنا يريد ترامب أن يضيف نقطة سياسية لصالحه ضمن سجله الرئاسي في فترته الثانية، وهي مساعدة سورية على العودة إلى مكان الدولة الطبيعية، والصديقة غير المعادية للولايات المتحدة، وبعدها ينفع ما صنعه ليكون مادةً لإنجازٍ جديد يسوِّق له، لرسم صورة يمكن أن يحتفظ بها الشخص العادي عن رئيس أميركي بعد أن يرحل.

فاطمة ياسين
فاطمة ياسين
كاتبة سورية، صحفية ومعدة ومنتجة برامج سياسية وثقافية