ماذا لو كان الصيادون صهاينة؟

28 سبتمبر 2020
الصورة

دموع أقارب للصيادين الأخوين لدى تشييعهما في دير البلح في قطاع غزة (27/9/2020/الأناضول)

دعونا نفترض أن قتل الصيادين الفلسطينيين في مياه رفح برصاصاتٍ مصريةٍ جاء بالخطأ، أو نتيجة شكوك القوات المصرية في هوية القارب الصغير الذي ألقت به الرياح في المياه المصرية.
دعونا نفترض أنه لم يكن على القارب ما يشير إلى هويته، وأن الذين أطلقوا الرصاص ظنوا أن على متنه أعداء أو إرهابيين، فتسرّعوا وعاجلوهم بإطلاق الرصاص، خوفًا على الأمن القومي لمصر والوطن العربي.
لن نخوض مع الخائضين في فرضية أن الصيادين قتلوا لأنهم فلسطينيون، وسنستبعد أن المدافع لم تنفتح شهيتها لإطلاق الرصاص إلا لأنهم فلسطينيون عزّل يسعون للرزق في عرض البحر.. سنكذّب كل الروايات ونستبعد كل الفرضيات، ونقول إن الحادث المؤسف وقع لأن المنطقة التي دخلوها شديدة الحساسية، ولا حوار فيها إلا بالرصاص.. لكننا نتساءل: ماذا بعد الحادث الذي أودى بحياة صيادين بسطاء من غزة؟ ألم يكن جديرًا بمصر العربية الكبيرة الشقيقة أن تطيب خاطر الشعب الفلسطيني بكلمتين؟ ألم يكن حريًا بالجيش المصري أن يصدر بيانًا مقتضبًا يعزّي فيه أهالي الضحايا ويوضح ملابسات ما جرى، ويأسف لإراقة الدم الفلسطيني برصاص مصري على سبيل الخطأ، أو حتى على سبيل الاحتياط؟
ألا يستحق الموقف، وسط هذا الفيض من الحزن الذي يلف الشارع الفلسطيني، والأسى الذي يجتاح المواطن العربي، أن يجد المتحدّث العسكري المصري دقيقة من وقته الثمين ليصدر بيانًا يوضح تفاصيل ما جرى؟ أو أن يتم تكليف وفد عسكري بتقديم واحب العزاء والإعتذار للفلسطينيين، أو أن تعبر البعثة الدبلوماسية المصرية في رام الله عن أسفها للسلطة الفلسطينية؟
مرّة أخرى، دعونا نتعامل مع سيناريو آخر للحادث، ونفترض أن الذين تم قتلهم كانوا مجموعة من السياح الصهاينة يتنزهون بقارب خاص، غير معروفة هويته، وأن مطلقي الرصاص لم يسمعوا صوت استغاثة باللغة العبرية، حين أنذروا مستقليه بالتعامل بالذخيرة الحية، وأن الرصاصات انطلقت والدم الصهيوني سال.. ما الذي كان سيحدث؟
المؤكد أن سفير عبد الفتاح السيسي لدى الكيان الصهيوني كان سيهرول إلى مقر الخارجية الإسرائيلية مقدمًا التعازي والاعتذارات، ومعربًا عن الأسى والحزن، بشكل مؤقت، وإلى أن يستيقظ سامح شكري، ويستقل أول طائرة للاعتذار إلى نتنياهو ، ولشعب الإحتلال الصهيوني، كما لن يكون مستبعدًا لو اعتذر السيسي شخصيًا، وتعهد بدفع التعويضات التي تحدّدها عائلات القتلى، بل ربما كان سيدعو أمهاتهم لزيارة القاهرة على متن طائرة رئاسية للمواساة والأسف والندم.
هذا ليس تحليقًا في الخيال، ولا مبالغةً في افتراض سيناريوهات، فالثابت أن الفلسطيني في العقيدة السيسية خطر على الدولة المصرية، قد يكون أخًا، لكنه الأخ المزعج الذي لا تأتي من ورائه إلا المشاكل، بينما الإسرائيلي هو الحليف والشريك المربح والجار  المهم، الذي لا يمكن إغضابه أو مضايقته.
تلك هي العقيدة التي تعمل دولة عبد الفتاح السيسي على تثبيتها في وجدان المصريين، لانتزاعها السلطة بمشروع إسرائيلي الفكرة، إماراتي وسعودي التمويل، وهو المشروع الذي انطلق من أجل الانقلاب على الحكم المنتخب في مصر، بإعلان العداء لغزة، ومحاولة إقناع الجماهير المصرية بأنها مصدر الشر، وأن "حماس" منبع الخطر. وكما قلت، في الشهر الأول من انقلاب السيسي الذي رحبت به إسرائيل واحتضنته وسوقته، إنه، بلغة أهل الدراما، الكلمة المفتاح في مأساة الإنقلاب على الرئيس المصري (الأسير) محمد مرسي، كانت صرخته المدوية: غزة لم تعد وحدها.
كانت تلك الصيحة بمثابة تدشين لزمن جديد، وتعامل مصري آخر مع الموضوع الفلسطيني .. تعامل يستجيب لروح ثورةٍ عصفت بمنظومة من الإنبطاح التام أمام العربدة الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، واعتداءاتها المتكرّرة على الشعب المقاوم.
لم أكن أتصوّر وقتها أن المسألة ستتجاوز الإنبطاح الأخرس أمام العربدة  والإعتداءات الصهيونية ضد الفلسطينيين، إلى القيام بهذه العربدة وتلك الإعتداءات، نيابة عن إسرائيل.
على الجانب الآخر، وعلى الرغم من كل هذا المجون الحضاري والإنحراف التاريخي والجغرافي الذي تمارسه قاهرة عبد الفتاح السيسي، لا تزال مصر في خاطر المواطن الفلسطيني ودمه وعقيدته هي الشقيقة وهي الحضن، حتى وإن كان هذا الحضن الآن مزروعًا بالأشواك والمسامير الصهيونية. ولذلك كان السيسي وحده حاضرًا في الهتاف في أثناء جنازة شهداء غزة، بينما كانت مصر هناك نائمة في الوجدان الفلسطيني الجريح، بانتظار أن تستيقظ وتفيق.
يدرك كل فلسطيني أن مصر الحقيقية تحت الاحتلال والحصار، مثله. ومع ذلك، لا تزال تقول له "يا فلسطيني يا فلسطيني .. دمك دمي ودينك ديني".