ماذا دها الضلع الفلسطيني الثالث؟

19 يناير 2021
الصورة

(نبيل عناني)

+ الخط -

درج الفلسطينيون في الضفة الغربية وقطاع غزة، وفي ديار الشتات أيضاً، على النظر إلى أشقائهم من عرب 48، أنهم قدوة تُقتدى في الكفاح الوطني العنيد ضد سياسات الاقتلاع والإلغاء المنهجية، المتواصلة على مدى عقود طوال، ورأت النخب السياسية والثقافية في عموم المجتمع الفلسطيني، في هذا المكوّن القابض على جمر التشبث بالأرض، رأس الحربة في معركة الحرية ونيل الحقوق، نظراً إلى ما أبداه من قاموا من تحت رماد النكبة، من حيويةٍ وقوة مراس، في الحرب ضد النبذ والتهميش والإقصاء، خصوصا منذ يوم الأرض الخالد عام 1976، وما أفرزته تلك الموقعة الكبرى من حقائق نضالية أثمرت ثماراً تحصى ولا تعدّ.
شكّلت البقية السكانية الباقية في الوطن التاريخي لشعبٍ مزّقته النكبة شرّ تمزيق الضلع الثالث من أضلاع المثلث الفلسطيني المرتكز، إلى جانب الضلع الثاني من اللاجئين، على قاعدته الأساس في الأراضي المحتلة عام 1967، شكلت شعباً مناضلاً بكل أشكال النضال المتاحة، وصار عرب 48، بحسن أدائهم السياسي، ورفاهة تطوّرهم الاجتماعي، وبلاغة حضورهم في المشهد الوطني العام، ذخراً وقوة إسناد فاعلة، وذلك إلى أن ضربهم، في الآونة الأخيرة، داء التشرذم والانقسام الملازم للحالة العامة، بعد أن كانوا، حتى الأمس القريب، مثالاً طيباً على كيفية تكوين الأرضيات المشتركة، أو قل القائمة المشتركة، وإقامة النموذج الملهم في إدارة التباين السياسي المشروع بين الناس.
إذ عشية انتخابات الكنيست المقرّرة بعد نحو شهرين، برزت على سطح الحياة السياسية لهذا المجتمع الذي يضم نحو مليوني مواطن، وتقوده أربعة أحزاب عريقة، وذات تمثيل وازن، مظاهر تشتّت مؤسفة، أدّت إلى كسر الصورة الجميلة، وتبديد قوة الزخم الذاتي، ناهيك عن إضعاف المركز التمثيلي لهذا المكوّن، المصمّم، جيلاً بعد جيل، على حقه في الذود عن الهوية، وفي تحقيق العدالة والمساواة، الأمر الذي جعل كل فلسطيني غيور يتساءل بمرارة: ما الذي دها القوم؟ وكيف تسلّلت آفة التشرذم المقيمة بيننا إلى صفوف من كانوا المثال الذي كان يعلو ولا يُعلى عليه؟
ليس مؤلماً فقط، وباعثاً على الأسى فحسب، هذا الحال الذي آل إليه، أخيرا، الوضع الانقسامي بين قادة المجتمع العربي في المثلث والجليل والنقب، وإنما كان صادماً أيضاً لكل من عوّل على وعي نخبة الضلع الذهبي في المثلث الفلسطيني، في تعظيم المكاسب المتحقّقة بفضل بناء القائمة المشتركة، وكان مقلقاً كذلك لكل من عقد رهاناً له ما يبرّره، على صلابتهم في مواجهة خطط أخذ القلعة من الداخل، على نحو ما بدت عليه مظاهر خلافٍ طارئ، كان يصعب تصديقه في بداية الأمر.
ولعل الأسوأ من ذلك كله أن يحدث هذا الأمر على يدي بنيامين نتنياهو، الذي نجح بدايةً في إنهاء ما يسمى اليسار الإسرائيلي، ونجح نجاحه الأكبر لاحقاً في تشتيت منافسه حزب أزرق أبيض وشطبه من المعادلة الداخلية، ثم اتجه على الفور نحو القائمة العربية المشتركة التي حالت دونه، بعد الانتخابات الأخيرة، وتشكيل حكومة، وهناك ما يشير إلى فوز الثعلب الماكر ببعض الغنم، الأمر الذي يضاعف من الحسّ بالألم، ويزيد من الشعور بالحرج، إن لم نقل الخزي، لدى من أمل وراهن وعوّل على مراكمة عوامل القوة الذاتية لعرب 48.
وحتى لا يظل الكلام عمومياً، وكي لا تتوزع مسؤولية هذا التردّي على مركّبات القائمة المشتركة بالتساوي، ينبغي القول إن هذا المآل المؤسف يقع كلياً على عاتق المكون الإسلامي المحافظ، الذي غرّد خارج السرب مبكراً، وقع في شرك نتنياهو، وشقّ الإجماع بذريعة تافهة، حين امتنع الإسلاميون، في ديسمبر/كانون الأول الماضي، عن التصويت في الكنيست على إسقاط حكومة اليمين الفاشي، راحوا يوثّقون علاقتهم المريبة مع كاره العرب رقم واحد، ويعدونه بالمصادقة على قانونٍ يحمي المتهم بثلاث قضايا جنائية من الملاحقة القضائية.
وأحسب أن مشهد نتنياهو في الناصرة، أخيرا، وقبل ذلك في مدينتي الطيرة وأم الفحم، باحثاً عن الأصوات العربية الهائمة، كان قمة المشاهد المبكية المضحكة، خصوصا بعد أن أعلن رئيس بلدية مدينة المسيح عن تأييده صاحب قانون القومية اليهودي العنصري، وصدّق وعود الكذاب المخادع بسذاجة، وهو ما كان له أن يحدُث لولا ذلك الانقسام الذي أوقعته الحركة الإسلامية في بنية القائمة المشتركة، وتلك الأجواء الغاصّة بالإحباط لدى الجماهير العربية، الناجم بالدرجة الأولى عن انقلاب الإسلاميين، كعادتهم المزمنة، على شركائهم في المصير النهائي.