ماذا تفعل "لوليتا" قرب سرير إبستين؟
زعم الصحافي مايكل وولف أن رواية "لوليتا" اتّخذت لها مكاناً دائماً على مِنضدة سرير جيفري إبستين. وُولف الذي كان يعمل على كتاب عن حياة إبستين، كان قريباً منه فترة، ما سمح له بأن يُصبح مصدراً لبعض المعلومات عنه، رغم أن الكتاب لم يُنشر. هل كان فعلاً مهووساً بالرواية، ولديه بالفعل نهمٌ شديد لمزيد من التفاصيل عن أحداثها مسلسلاً لا ينتهي؟ أو كان يودّ شروحات إضافية يستعين بها لتمهيدِ الطريق لاصطياد ضيوفه المتردّدين في الإفصاح عن رغباتهم، من خلال الإعجاب بقصّة متخيَّلة؟ يمكن أن يكون الاحتمالان كلاهما صحيحَين.
من جهة أخرى، مع انكشافِ عدد من أسماء ضيوفه، كيف نقتنع أنهم لم يعرفوا، ولو بالحدْس أو الشكّ، طبيعة الجزيرة، وهم يعلمون أنه يسافر في طائرة خاصّة تُعرَف بشكل غير رسمي باسم "قطار لوليتا السريع"، وربّما نقل بعضهم بها إلى الجزيرة؟ أو لم يلاحظوا وجود فتيات صغيرات أو يبدون كذلك، حتى لو كنّ بالغات؟ وهذا الشكّ من النوع الذي يدعو المرءَ إلى الفرار فوراً، لا من النوع الذي يُسكته باعتباره محض وسوسة. هذا إذا لم يكن ضميره حيّاً ويُبلّغ السلطات.
لا نكتشف تواطؤ رجال المال والسياسة في جرائم إبستين فقط، بل الكُتّاب والأدباء أيضاً، لا نعني بهذا ظهور نعوم تشومسكي الصادم معه، والفيزيائي ستيفن هوكينغ، بل تواطؤُ زوجَين من الوسط الأدبي، هما: أستاذة الأدب الإنكليزي بجامعة هارفارد، إليسا نيو، وزوجها الشاعر لاري سامرز، الذي موّل إبستين مشروعه الشعري. هل يُموِّل إبستين مشروع شاعر من دون أن يتقاسم معه الحديث عن الأدب، الذي لا يمكن أن يغفل عنه هوسه المَرضي بـ"لوليتا"؟ هل حقّاً لا يعرف الشاعر ما كان يفعله إبستين، والناس تميل إلى إخبار الشاعر برذائلهم على أساس أنه سيفهم؟
تقول نيو في رسالة إلكترونية إلى إبستين: "سأصعد إلى الطابق العلوي لأبحث عن نسختي من لوليتا". هل يمكن أن تدافع عن نفسها بأنها كانت تظنّ أنه هوسٌ أدبيٌّ لا يأخذ بُعداً واقعياً؟ لا؛ لأنها نصحته برواية أخرى تميل إلى العالم الذي "يفضّله"، وهي رواية "ماي أنتوني"، التي تُختطف وتُغتصب بطلتها البالغة 12 سنة، بشكل مستمرّ من رجل يكبرها بسنوات كثيرة. الكاتبة تنصح هنا بما هو أسوأ ممّا تمثّله رواية "لوليتا"، بمُقترح يأخذ الهوس إلى مكان آخر، لا يُغري فيه إبستين الفتيات بالمال، بل بما هو أشنع؛ خطفهن واغتصابهن، وربما فعل.
اختيار جزيرة بدل أيّ مكان آخر كان متعمَّداً، فهو جزء من الإغراء الذي جعل ضيوفه يشعرون بالأمان أكثر للاستسلام لرغبات محرمة. فالجزيرة إسقاطٌ لعالم لا محرّمات فيه، ولا يمكن الوصول إليه لأنه معزول. كثيرون تساءلوا لماذا دخل زبائن تاجر البشر هذه اللعبةَ رغم مخاطرها، فيما كان بإمكانهم أن يفعلوا الأمر نفسه وحدهم في قصورهم المغلقة؟ لعلّ رغبة الانتماء إلى نادٍ يشتركون فيه مع آخرين في اشتهاء الممنوع معهم، هي الدافع الذي جعلهم يُظهرون أقصى رغباتهم جموحاً في نادي البيدوفيليين، والتي ربّما ما كانوا ليجرؤوا على اتّباعها وحدهم.
أن يجمع إبستين جمهوراً لتجارته الإجرامية بالاستعانة برواية، أمر مبتكَر يجب أن نعترف. فنحن اعتدنا على كليشيه لقاء حبيبَين يبدآن فيه حديثهما الأول، لأن أحدهما يقرأ في حديقة أو قطار كتاباً يفضله الآخر، فيكون الكتاب المشترك مدخلاً لمحادثة تقوم على الإعجاب بالكتاب نفسه، الذي بالطبع يجب أن يكون مُعبراً عن شخصيتيهما وليس مجرّد كتاب، بل قد يكون المفضّل عند الطرف الآخر، فتقودهما محادثة شائقة إلى الاعتراف ببعض خفايا شخصيتيهما.
ذوق إبستين في القراءة يدلّ على أن ما جذبه في "لوليتا" هو القصّة، فباقي الكتب التي كان يقرؤها كانت تنتمي إلى الأدب التجاري. وبعضها يجمعه مع "لوليتا"، الهاجس نفسه، مثل السلسلة التشويقية "الرجل من أو آر جي واي" التي تتمحور حول جاسوس يعمل باحثاً في الجنس، إلى جانب عمله الاستخباري. ومع هذا كلّه، يأتينا أحد زوار الجزيرة ليزعم أنه لم يكن يعرف ما يحدث فيها (!).