ماذا تعني الانتخابات الأميركية للعالم العربي؟

14 أكتوبر 2020
الصورة
+ الخط -

مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية الأميركية، تتصاعد اللهجة، وعلى أكثر من صعيد، بين حملتي المرشحين الرئاسيين، دونالد ترامب وجو بايدن. من حيث الأسلوب والمضمون، يبرز المرشّحان متباعدين على نطاق واسع، لا سيما في ما يتعلق بسياستهما الدولية، وخصوصا تجاه قضايا الشرق الأوسط المعقدة. والسياسة الأميركية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تعتبر من بين أهم قضايا السياسة الخارجية الأميركية، وزادت أهميتها منذ التدخل الأميركي في العراق بداية تسعينيات القرن الماضي، وحتى في عهد الرئيس المنتهية ولايته الذي رفع شعار "أميركا أولا"، فقد ظلت منطقة الشرق الأوسط حاضرة بقوة في سياسة إدارته الخارجية، والتي تميزت بالتصعيد مع إيران بعد انسحاب بلاده من الاتفاق النووي معها، واستمرار الانسحاب العسكري من العراق، وتشجيع سياسة التطبيع مع إسرائيل.

وإذا كان الوجود العسكري الأميركي في المنطقة حاليًا أقل من المستوى الذي كان عليه سابقا، إلا أنه يجعل أميركا وحلفاءها أكثر أمانًا، ناهيك عن أن أي انسحاب أميركي كلي من الشرق الأوسط سوف يمنح انتصارا وهميا لخصومها، وسيسعد إيران وحلفاءها، ويترك المجال فارغا لروسيا والصين وإيران وتركيا، لتوسيع نفوذها فيها، ما قد يضع أمن موارد البترول العالمية بأيدي الصينيين والروس والإيرانيين على حساب الولايات المتحدة وحلفائها.

استعادة الولايات المتحدة مكانتها الدبلوماسية في العالم تمر أولا عبر إعادة انخراطها في قضايا الشرق الأوسط، لكن كثيرين هذه المرّة يأملون أن يكون انخراطا إيجابيا

استعادة الولايات المتحدة مكانتها الدبلوماسية في العالم تمر أولا عبر إعادة انخراطها في قضايا الشرق الأوسط، لكن كثيرين هذه المرّة يأملون أن يكون انخراطا إيجابيا، إذا أرادت الإدارة الجديدة أن تستعيد ثقة شعوب المنطقة فيها. ومفتاح الحل في هذه السياسة هو كيفية إدارتها الصراع الإسرائيلي الفلسطيني في السنوات الأربع المقبلة، فقد أدّت سياسات ترامب المنحازة إلى اليمين الإسرائيلي المتطرّف بشكل واضح إلى زعزعة كل سبل الاستقرار في المنطقة، ووضعتها على صفيح ساخن، وأدّى وقف التبرّعات الإنسانية الأميركية، ووقف الاتصالات مع السلطة الفلسطينية وتشجيع التطبيع الخليجي مع إسرائيل، إلى تأجيج مشاعر الغضب تجاه السياسة الأميركية في المنطقة. وإلى جانب القضية الفلسطينية، فإن موقف الإدارة الأميركية الجديدة من قضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان سيكون له الأثر الحاسم في استعادة شعوب المنطقة الثقة فيها، خصوصا وأن قوى كثيرة تواقة إلى التغيير تعتبر أن ما يقع اليوم في دولها من انتهاكاتٍ لحقوق الإنسان وحروب أهلية كان بسبب التردّد الذي أبدته الإدارة الأميركية في عهد الرئيس السابق، باراك أوباما، إبّان فترة "الربيع العربي"، عندما لم تُظهر الدعم السياسي الواضح للمطالب الديمقراطية التي عبّرت عنها ثورات شعوب المنطقة، وأدّى تردّدها أحيانا، وصمتها كثيرا، إلى ترك الفراغ الذي جعل الثورات المضادّة تستغله، للإجهاز على حلم شعوب خرجت تطالب بالتغيير في أكثر من دولة عربية. وكانت النتيجة إشعال حروبٍ أهلية أدّت إلى تدمير دول عربية، وفتحت الباب واسعا أمام التدخلات الأجنبية من روسيا وإيران وتركيا. وأدّى إحجام أميركا عن التورّط في صراعات جديدة في الشرق الأوسط في عهد أوباما إلى تقوية النفوذ الروسي في المنطقة، والتغلغل الإيراني في سورية والعراق واليمن، وتوغل تركيا في شمال سورية والعراق، ووصولها إلى ليبيا لتقوية وجودها في شرق المتوسط.

الانتخابات الأميركية الحالية مفترق طرق كبير يضع منطقة الشرق الأوسط أمام المجهول

الانتخابات الأميركية الحالية مفترق طرق كبير يضع منطقة الشرق الأوسط أمام المجهول. وبعيدا عن وقعها الداخلي في أميركا، فإن نتائجها سوف تؤثر في العالم، باعتبارها دولة عظمى ولسياساتها الدولية تأثير كبير على الساحة الدولية، وخصوصا في منطقة الشرق الأوسط التي تتقاطع فيها مصالحها الاقتصادية والعسكرية مع منافسيها الدوليين. لذلك يبقى فهم سياسة الرئيس الأميركي الذي سينتخب تجاه حلفاء بلاده وخصومها في المنطقة ضروريا لفهم أثر هذه الانتخابات على شعوب المنطقة، والمتغيرات التي يمكن أن تحملها خلال السنوات الأربع المقبلة.

ومع اقتراب موعد هذه الانتخابات الحاسمة، تتطلع أنظمة وشعوب كثيرة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إلى نقطة التحول الكبرى في علاقات بلدانها مع الولايات المتحدة التي يمكن أن يمثلها انتخاب جوزيف بايدن أو التجديد لدونالد ترامب، بما أن حتى إعادة انتخاب الأخير تُشعر كثيرين بالرعب، لأنه سيكون متحرّرا تمامًا من أية قيود، ويتخذ قراراتٍ قد تكون لها عواقب وخيمة على استقرار العالم والسلم الدولي، وخصوصا في منطقة الشرق الأوسط الحبلى بالصراعات. 

في حال إعادة انتخاب ترامب، سيكون المستبدّون العرب أكثر سعادة، خصوصاً في السعودية ومصر والإمارات

وإذا كانت استطلاعات الرأي في أوروبا، مثلا، تُظهر تفضيلا واضحا لفوز بايدن، إلا أن هذه الاستطلاعات غير موجودة في منطقة الشرق الأوسط، ومع ذلك لاحظت صحفٌ أميركية مؤثرة أن ردود فعل كثيرين من رواد المواقع الإجتماعية في المنطقة العربية كانت ضد اتفاقيات التطبيع التي دفعت الإدارة الأميركية الحالية دولا عربية إلى توقيعها مع إسرائيل، وهو ما دفعها إلى القول إن أصحاب هذه الآراء قد يتوقون إلى فوز بايدن على ترامب، ويرون أن ذلك سيُحدث نقطة تحوّل في السياسة الداخلية والخارجية للولايات المتحدة الأميركية، ولن تُسعد أنظمة كثيرة مستبدّة في المنطقة في الإمارات والسعودية ومصر. 

وفي حال إعادة انتخاب ترامب، سيكون المستبدّون العرب أكثر سعادة، خصوصا في دول مثل السعودية ومصر والإمارات، فقد حصل قادة هذه الدول على كثير من الدعم المعنوي والسياسي، منذ تولى ترامب مقاليد البيت الأبيض، وانتصاره يعني استمرار سياساتهم القمعية والمستبدّة، ففي عهده لعبت السياسة الأميركية الخارجية دورا سلبيا شجّع على تنامي انتهاكات حقوق الإنسان في المنطقة، سيما في مصر والسعودية والإمارات والبحرين واليمن. ولذلك فإن أنظمة كثيرة مستبدة في العالم العربي تصلي اليوم من أجل إعادة انتخاب الرئيس المنتهية ولايته. وفي حال انتخاب بايدن فسيبعث ذلك رسائل سلبية إلى كل الدول المستبدّة، خصوصا السعودية التي سبق أن وصفها بايدن بأنها "منبوذة"، ووعد بإنهاء دعم بلاده لحربها في اليمن. كما تعهد بمواجهة منتهكي حقوق الإنسان عندما صرّح، العام الماضي، بأن موضوع حقوق الإنسان سيكون في صميم تفاعله مع العالم، وتوعد بمحاسبة السعودية والصين وكل دولة تنتهك حقوق الإنسان لمواطنيها.