ماذا تساوي الدكتوراه؟

ماذا تساوي الدكتوراه؟

30 اغسطس 2021
الصورة
+ الخط -

حصل الممثل المصري، محمد رمضان، على درجة "دكتوراه" شرفية، منحتها له مؤسّسة لبنانية غير حكومية على سبيل التكريم. ووجد كثيرون في هذا ابتذالاً وتجاوزاً بحق الدرجة العلمية واستهانة بقيمة العلم. غير أن رمضان ليس الوحيد الذي تم تكريمه أو منحه لقباً لا يليق إلا بالعلماء وأصحاب الإنجازات التاريخية لشعوبهم، ففي عام 2019، كرّمت جامعة "بنها" في مصر المغني الشعبي شعبان عبد الرحيم، قبل أن يرحل في العام نفسه. وفي 2014، كرّم نادي الطيران المصري الراقصة فيفي عبده، في إطار الاحتفال بعيد الأم، لتجسيدها دور "أُم" في عدة مسلسلات، فانتشر على وسائل التواصل وصفها بلقب "الأم المثالية" سخرية من الحدث واستهزاء بتكريمها. وقبل عقود، دشّن أنور السادات تقليداً حافظ حسني مبارك عليه سنوات، وهو تخصيص يوم سنوي لتكريم بعض فئات المجتمع ذات التأثير، فكان في مصر عيد للعلم وعيد للفن وعيد للفلاح. أي كان للفن نصيب أساسي من اهتمام الدولة وتقديرها. لكنه كان موجهاً إلى الرموز وأصحاب التاريخ الكبير والأعمال التي تركت بصمة في الفن المصري بمختلف أشكاله، التمثيل والغناء والرسم والنحت والموسيقى.
اختفى الاحتفاء الرسمي بالفن والفنانين تدريجياً، بالتوازي مع هبوط مستوى الفن وتدهوره، أعمالاً وأشخاصاً. الأمر الذي لم تقم الدولة إزاءه بأي إجراء، ولم تدعم الفن الراقي أو تساعد على مواجهة الأعمال الفنية الهابطة، بل لم تبذل جهداً لمنع محدودي الموهبة من الظهور والاستمرار والازدهار على الساحة الفنية. وتطور موقف الدولة إلى الأسوأ في الأعوام القليلة الماضية، باتجاه وسائل الإعلام الموالية لنظام الحكم إلى التعاطي مع ظاهرة الفن الهابط بمنطق "الجمهور عاوز كدة"، أي تقبل ما يطلبه الجمهور وتأييده. وبالطبع ليس هذا هو دور الدولة ولا هي مهمة وسائل الإعلام التي يُفترض أنها وطنية. ولم تكتف الدولة المصرية بذلك، بل راحت هي نفسها تساير ذلك المنطق، وتروّج أولئك الفنانين وتكرّمهم، وهم الذين تسهم أعمالهم بقوة في تجهيل المجتمع وبثّ ثقافة العنف والانتقام، فالضجّة التي أحدثها تكريم محمد رمضان في لبنان، بل ربما التكريم نفسه لم يكن ليحدث، لو لم تكن الدولة المصرية نفسها ساعدت في ترسيمه بطلاً ونموذجاً يُحتذى. إلى حدّ أن الشؤون المعنوية في القوات المسلحة أنتجت فيلماً وثائقياً بعنوان "حرّاس الوطن" حظي فيه رمضان بدور البطولة في أثناء فترة خدمته العسكرية التي بدأها في سلاح الصاعقة قبل تجاوزه سن الانضمام إلى الخدمة بشهور!
أما العلماء الحقيقيون والنوابغ في مختلف التخصصات، فلا تقدير مادياً لهم أو معنوياً بأي درجة، بل يتعرّضون للضغوط الحياتية والإدارية مثل كل المصريين، فالمؤسسة التي أسسها البروفيسور المصري العالمي، مجدي يعقوب، بالتبرعات ويديرها بنفسه في أسوان لعلاج مرضى القلب مجاناً، طولبت بسداد مبالغ باهظة قيمة فواتير كهرباء. ولم توافق الدولة المصرية على إعفائها من سداد بضعة ملايين الجنيهات رسوماً جمركية لاستيراد أحد الأجهزة الطبية، وتكفّلت بدفعها شخصية عربية ثرية.
هذا بخلاف ضآلة (وحقارة) مداخيل العلماء وأساتذة الجامعات والمدرّسين الذين يربّون الأجيال الجديدة، بينما تنهمر الملايين فوق رؤوس الراقصات وغيرهن ممن يدمّرون عقول تلك الأجيال الجديدة ووجدانها، وتحتفي بهم الفضائيات والمواقع، وتزدحم لهم الحفلات الخاصة والعامة تحت أعين الدولة وأسماعها وترحيبها، وإلا لمنعتهم.
إذا كان هذا هو حال أهل العلم مقابل أهل "الهلس" لا الفن، وإذ هانت قيمة الدكتوراه وقامتها الحقيقية إلى ذلك الحد المتدنّي، فلا عجب أن يحظى محمد رمضان وأمثاله بشهادات وأوسمة ودكتوراهات مبتذلة، فخرية كانت أو شرفية أو ورقية.