ماذا بقي من الصنم الأميركي؟

12 اغسطس 2026

من المهم، بل من الواجب، أن يسأل اللبناني المؤمن بدونالد ترامب، وبقدرته اللانهائية على حسم المسائل المعقّدة، نفسَه: ماذا أخذت غزّة من الرئيس الأميركي قبل أن يندفع مهاجماً كلّ الذين رفضوا مساراً فرضه ترامب على لبنان، لم يحقّق شيئاً سوى أنّه جعل الاحتلال الصهيوني للأراضي اللبنانية أقلَّ كلفةً، حتى بات جنود الاحتلال يمرحون في جنوب لبنان وكأنّهم في رحلة سياحية مجّانية على نفقة الحكومة اللبنانية؟
ما الذي يمكن أن يأخذه اللبنانيون أكثر ممّا أخذه الفلسطينيون من خطط ترامب وخرائطه للسلام الكاذب، وأمامهم حالة غزّة نموذجاً حيّاً يتحرّك أمامنا، فيعلن رئيس حكومة الاحتلال الصهيوني رفضه المطلق للبنود الخمسة عشر المتضمَّنة في ما عُرف باسم خطّة ترامب لإنهاء القتال في غزّة، ويقول بكلّ ثقة إنّه غير معني بما ورد في هذه الخطّة، فيما يعلن جنرالات العدو أنّ فكرة الانسحاب من قطاع غزّة ليست مطروحةً أو مقبولةً.
معطيات واقع غزّة تنطق بكلّ اللغات بأنّ ما سُمّي مساراً تفاوضياً مؤدّياً إلى السلام تحت رعاية دونالد ترامب لم يكن إلّا فخّاً منصوباً للفصائل الفلسطينية المقاومة، لكي تلقي أسلحتها وترضخ للضغوط الأميركية والعربية، وتتنازل كذلك عن أن تكون عنصراً في معادلة الحراك السياسي الفلسطيني، وتترك إدارة شؤون غزّة لمجلس سلام يترأّسه دونالد ترامب شخصياً ويديره تنفيذياً بلغاري لا يقلّ في صهيونيته عن بنيامين نتنياهو، ومعه لجنة يمنحونها صفة "وطنية" من شخصيات فلسطينية لا تطيق سماع تعبير "مقاومة الاحتلال".
وفي قلب هذا المشهد المشين، يتلفّت العرب والفلسطينيون حولهم بحثاً عن "الضامن الأميركي" الذي سلّموه مفاتيح غزّة للشكوى من إسرائيل، فيجدون الراعي ترامب شخصياً يشكو إسرائيل إلى نفسها، ويقول لها بحياء العذارى إنّ أكبر تغيير رآه في ربع قرن هو تراجع نفوذ اللوبي الإسرائيلي في الولايات المتحدة. يقولها بلهجة الناصح المهذَّب الحريص على مصلحة الاحتلال، وكأنّه يتسوّل من بنيامين نتنياهو الذي يسخر من الجميع معلناً رفضه الانسحاب التدريجي من قطاع غزّة المحتلّ، بالعنجهية ذاتها التي يرفض بها الانسحاب التجريبي من أراضي الجنوب اللبناني المحتلّ.
يدرك نتنياهو تماماً أنّ التاريخ لن يجود على الكيان الصهيوني بلحظة أفضل من هذه لكي يمارس الاستعلاء والغطرسة على النظام العربي الرسمي كلّه، ويخضعه لرغبات وأحلام الاحتلال الخاصّة بإقليم الشرق الأوسط، كما أنّه لن يجد رئيساً أميركياً على هذه الحالة من التهافت والضحالة أفضل من دونالد ترامب، فلماذا لا يسخر من كلّ المسارات ويبصق على كلّ اتفاق، إطاراً عاماً كان أو خريطة طريق محدّدة البنود وواضحة الالتزامات؟
في هذا المناخ، يبدو ترامب أشبه بمجسّم لأسد عجوز مريض يترنّح في حركاته وكلماته، يحاول أنّ يصدر زئيراً يثير من السخرية أكثر ممّا يثير من الاهتمام أو الردع، وخصوصاً عندما يتعلّق الأمر بالملفّ الإيراني، الذي صار أداء الرئيس الأميركي فيه أشبه بفقرات مسلّية من "دراما الصابون" الأميركية القديمة: تهديدات بالسحق والمحو والإعادة إلى العصور الوسطى، يعقبها استجداء للتفاوض والبحث عن صفقة تفاهم، سرعان ما ينقلب عليها فور توقيعها. وهكذا مسلسل شديد الملل تمتدّ حلقاته للشهر السادس توالياً من دون جديد درامياً.
يملأ دونالد ترامب فراغه وخواءه بمعارك لا تليق إلّا بعقل ضئيل، كأن يصارع شابّاً أميركياً من أصل مصري استطاع الفوز بترشيح الحزب الديمقراطي لمقعد ولاية ميتشيغن، على طريقة شمطاء تطلّ من شرفتها وتستوقف المارّة لتسبّ شخصاً، فيعيّر الديمقراطي عبد الرحمن السيّد بأن زوجته مسلمةً محتشمةً، بينما ميلانيا ترامب امرأة مثيرة وفاتنة... أو أن يتصوّر نفسه والياً على الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، محذّراً من "مجرد التفكير" في استبدال رئيسه الحالي جياني إنفانتينو، الشخص الذي أهان كرة القدم عندما حوّلها من اللعبة الشعبية الأولى والأجمل إلى خادمة في البيت الأبيض تحت قدمَي ساكنه، من دون أن يفهم أنّ "فيفا" يختار رئيسه عبر انتخابات معلومة مواعيدها مسبقاً.
آخر تجلّيات الرئيس الأميركي، المثيرة للسخرية، أنّه الآن يطالب بتعويضات من إيران عن الخمسين عاماً الماضية، ردّاً على مطالبة الإيرانيين بتعويضات عن جرائم الدمار والإبادة والاغتيالات وسرقة النفط التي نفّذها العدوان الأميركي الإسرائيلي، وشاهدها العالم على الهواء مباشرة على مدار ستّة أشهر مضت.
باختصار، نحن بصدد هراء يندلع من صنم مهشّم لا يتوقّف عن الهذيان، لكن ذلك يبدو أنّه ليس كافياً لإقناع نظام عربي لا يزال يقف في خشوع وإجلال بين يدَي تمثال ناطق.

وائل قنديل (العربي الجديد)
وائل قنديل
كاتب صحافي مصري من أسرة "العربي الجديد" عروبي الهوية يؤمن بأنّ فلسطين قضية القضايا وأنّ الربيع العربي كان ولا يزال وسيبقى أروع ما أنجزته شعوب الأمة