مات الفوتبول عاش الفوتبول

08 اغسطس 2026

اتّخذت كرة القدم هيئة وعدٍ هندسيّ بالعدالة قبل أن تصير لعبةً. جسم مستدير لا زاوية فيه. محاكاة ساذجة لحلمِ المساواة الذي عجز التاريخُ البشري عن تجسيده إلا في الأشكال المجرّدة. غير أنّ من النادر خُلُوّ وعدٍ من بذرة خيانته الخاصّة. لذلك، ما إن أعلن الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) عزمه على تأسيس ذراعٍ تجاريةٍ جديدة يُطلق عليها اسم "فيفا فورورد إنتربرايز" حتّى ثارت ثائرة جمهورية الفوتبول. وجاء الردّ بسرعة: "لا أحد يبيع كرة القدم". بهذه الكلمات حاول الاتّحاد الدولي تهدئة تسونامي الغضب، كأنّ اللغة يمكن أن تُقفل باباً ما إن تصفه بأنّه مغلق، أو كأنّنا أمام "ترجمة جديدة" لصيغة "مات الملك عاش الملك" التي ابتكرها بلاط فرنسا في القرن الرابع عشر، وهي تبدو جملةَ حُزنٍ تتبعها جملة احتفال، بينما هي إنكار مشطور إلى نصفين. تلك هي "البُنية" التي حلّلها فرويد بعد ستة قرون في نصّه القصير عن "الإنكار": أن تنطق بالمكبوت شرط أن تُلحق به نقيضَهُ فوراً، فيمرّ الاعتراف متنكّراً في ثوب النفي. وبيان "فيفا" وفق هذا المنطق قريب من ثقافة "المريب" العربي الذي ما انفكّ يقول "خذوني". إنّه إنكار يعترف بأنّ بيع كرة القدم هو بالضبط النيّة التي تسكن الجميع، من خلال استحضار فكرة "تعايش الجسدَين" التي ابتكرها فقهاء التاج الإنكليزيّ أيضاً، وحلّلها المؤرّخ إرنست كانتوروفيتش تحت عنوان "جسدا الملك". ويبدو أنّ هذه الفكرة لم تَبق حبيسةَ العصور الوسطى، فهي على الأرجح خلاصة ما يدور اليوم في رأس رئيس "فيفا" جياني إنفانتينو، داعياً إلى تبنّي "فورورد إنتربرايز"، ثمّ منكراً بيع اللعبة.
أمّا إجماع الاتحادات الأوروبية الخمسة والخمسين على رفض مقترح إنفانتينو، فهو حتّى الآن، وفي انتظار ظهور ما يخالف ذلك، ليس خروجاً من اللعبة بقدر ما هو رفضٌ للعب دور ثانويّ فيها. رفضٌ يتقنّع بِلُغةِ حماية اللعبة واللاعبِ، بينما يسكت عن أنّ القارّة نفسها قد طبَّعت في دورياتها المحلّية، دخولَ صناديق الأسهم الخاصّة منذ عقدٍ، من دون أن يصدر عنها اعتراضٌ واحد بهذه الحدّة. إنّ ما جرى يومَ "الإجماع الغاضب" لم يكن دفاعاً عن جسدٍ نقيّ يهدّده جسدٌ ملوَّث، بقدر ما كان تنازع "جسدين" على العرش نفسه، أحدهما أقدم عهداً بالتاج فحسب. والحقّ أنّ اللاعب يمرّ بالطقس نفسه: "انتهى عقده". جملة تمحو الجرح بمجرّد تسميته انتقالاً، ثمّ تحتفل فوراً بقميصٍ جديد يوهم بأنّ لا شيء تمزّق. وما إن تُنهي إصابةٌ حقيقية مسيرةَ أحد اللاعبين بلا صفقةٍ تستر الانقطاع، حتّى يَظهر عريُ الآليّة: لا أحد يهرع بجملة "عاش اللاعب"، لأنّ الجسد المجرّد، الخالد بمعنى قيمته السوقية أو بند التأمين، لا يحتاج إلى الجسد حيّاً (وفانياً) من الأساس.
للدولة الصيغة نفسها: "هذه الاتفاقيّة لن تنال من السيادة ولن تُقلّص حقوق المواطن". نفيٌ يعترف بما ينفيه، بينما يحيا الجسد المجرّد بدل الجسد المتآكل في الهامش. إنّ الإنكار، مهما بدا قاسياً، تشريفٌ لا يُمنَح إلا لمن يُخشى. ومن لا يُكذَب عليه أصلاً لم يُحسَب منذ البداية طرفاً يستحق أن يُخاطَب. حتّى النفي في هذا الاقتصاد الرمزي، عملةٌ لا تُصرَف إلا لمن يملك شيئاً يستأهل أن يُخفى. يبقى إذن أن نعيد قراءة كلّ خبرٍ عن سعي إنفانتينو إلى منصب "مفوّض" الكيان بعد 2031، أو اقتراب صندوقٍ يترأسه أحد آل كوشنر من خُمس حصّته، بوصفها الصيغة المعكوسة: "مات الرئيس عاش المفوَّض". هكذا يكون اللاهوت السياسي القروسطي قد وجد شكله الأكمل: ليس وريثاً من الدم، بل عقدَ عملٍ بعد التقاعد.
ليس من بريء في هذه اللعبة، شأنها في ذلك شأن السياسة، فجميعنا جزءٌ من الجسد الذي يتحدّث عنه النصّ بضمير الغائب، لا شهودٌ عليه من خارجه. لقد احتاج الإنكليز إلى "حيلة الجسدين" بسبب القضاء الذي لا يُردّ. أمّا اللعبة من هذا النوع، فتبدأ مع كلّ صفّارة نهاية، لتُولَد من جديد في كلّ طفلٍ يركض خلف كرةٍ في زقاق. والفارق بين لاعب زقاق الطفولة ولاعب قاعة مجلس الإدارة أو الغرف المُغلقة، هو أنّ الأوّل لا يحتاج إلى جسدين ليستمرّ، بينما الثاني يحتاج إلى أن يُقنعنا كلّ يوم بأنّ اللعبة كانت تحتضر أصلاً لولا من ادّعى أنّه أنقذها.