مئوية الجغرافيا والديمغرافيا الأردنية

مئوية الجغرافيا والديمغرافيا الأردنية

16 فبراير 2021
الصورة
+ الخط -

تضع الجغرافيا الأردنية اليوم البلاد على تماسّ مع المشاريع التنموية الكبرى التي تستهدف إيجاد شرعيتها من البوابة الاقتصادية، بعد عقود من الاستثمار بشرعية الحرب والسلام والأيديولوجيا والثورة. من أقصى جنوب البلاد، تعتمل في الجارة السعودية الكبرى مشاريع تنموية طموحة، عنوانها مدينة نيوم، وهو المشروع المتوقع أن يشمل كلا من جنوب الأردن وسيناء المصرية، انطلاقا من الأراضي السعودية، بينما يندفع العراق، المتفلت من القبضة الإيرانية نحو الأردن، وتاليا مصر، في مشروع أطلق عليه "الشام الجديدة"، ليكون الأردن بوابة للنفط والغاز العراقي، وكذلك ممرّا حيويا للصادرات والمستوردات العراقية، بينما تعوّل دولة الاحتلال، منذ عقود، على ما تسميه السلام الاقتصادي، في محاولة للهيمنة الاقتصادية على المنطقة، انطلاقا من هيمنتها العسكرية.
تعوّل هذه المشاريع الثلاثة على الجغرافيا الأردنية، بوصفها عقدة للمواصلات وخطوط الطاقة، وهو ما يفتح السؤال عن تاريخية هذه الجغرافيا التي كانت طوال مائة عام من عمر الدولة محطّة مهمة في مسارات الحرب والسلام ومسار التنمية المقبل.
مع نهاية الدولة العثمانية وتشكل الشرق الأوسط الجديد، عقد في القاهرة اجتماع، 12 إلى 23 مارس/ آذار 1921، تناول مستقبل المنطقة ما بعد نهاية الحرب الأولى. كانت الجغرافيا الأردنية إحدى العقد الجيوسياسية المعلقة في الاجتماع، والتي اضطرت وزير المستعمرات البريطانية حينها، ونستون تشرتشل، لزيارة القدس، والاتفاق مع الأمير عبد الله الأول على مستقبل تلك الجغرافيا. وقد نجم القلق الاستعماري عن المخاطر التي تحملها تلك الجغرافيا على كل من سوريا الكبرى في سورية الداخلية وفلسطين. وفي الوقت الذي كان الأردنيون يشكلون التهديد الأهم على نتائج تلك التسوية الكبرى لما بعد الحرب. لعل القرار الذي اتخذ في ذلك الوقت تمحور حول هدف غير معلن، تمثل في "عزل الجغرافيا الأردنية عن الديمغرافيا"، عبر تشكيل سلطة عليا في البلاد، تمتلك القدرة العسكرية لمنع تحول البلاد ظهيرا للثورة السورية، وللمواجهات العربية مع الوجود الصهيوني في فلسطين.

كانت الجغرافيا الأردنية، بقدر ما هي نعمة على الشعب الأردني، نقمة ضمن مسارات الحرب والسلام، والتي عطلت التنمية والديمقراطية وحقوق الإنسان

استمرت هذه السياسات طوال عهد الإمارة. وفي بواكير المملكة، ذهب الخيار القومي واليساري إلى إلحاق الجغرافيا الأردنية بالتحالفات الدولية والإقليمية، من دون إمعان النظر بالديمغرافيا الأردنية، وحاجتها إلى التنمية وبناء الذات، وهو المشروع الذي عكف عليه كل من هزاع المجالي ووصفي التل طوال عقد الستينات، ليقابَل هذا التحدّي الأردني ومحاولة كسر تلك الاستراتيجية بقرار عربي ودولي، يصر على منع الشعب الأردني من بناء دولته الحقيقية، وهو ما دفع ثمنه الشهيدان وصفي وهزاع. وجاءت حقبة ما بعد رحيل وصفي التل عبر إحكام القبضة على الجغرافيا والديمغرافيا الأردنيتين، عبر حشر البلاد أمام خيار المساعدات الخارجية، لمنعها من بناء خيارها الوطني الخاص، وهو دولة الإنتاج والتنمية.
كانت الجغرافيا الأردنية، بقدر ما هي نعمة على الشعب الأردني، نقمة ضمن مسارات الحرب والسلام، والتي عطلت التنمية والديمقراطية وحقوق الإنسان... اليوم ومع التموضع الدولي لإعادة إنتاج الخرائط الجيوسياسية في المشرق العربي، والتي ستخضع فيها المنطقة لإنتاج التحالفات عبر بوابة التنمية الشاملة، ستكون البلاد أمام محطة مهمة، بوصفها عقدة من عقد المواصلات وخطوط الطاقة والنفط. وسيضع هذا الخيار الأطراف الدولية والإقليمية والعربية أمام خيار وحيد، يتمثل في إعادة لحم الجغرافيا بالديمغرافيا الأردنية، بمعنى أكثر وضوحا ودقة (من دون امتلاك الشعب الأردني سلطته على بلاده)، وهو الشعار المرفوع منذ عام 2011 تحت عنوان استعادة البلاد سلطةً وموارد.

الشعب الأردني الذي حرم طوال قرن من امتلاك جغرافيته بقرار دولي، يجد نفسه اليوم أمام لحظة استعادة جغرافيته بقرار دولي وحاجة دولية ملحّة

لن تصمد أي تسوية قادمة، مهما أحيطت تلك التسوية بمسارات الأمن والأمننة، وهو ما يفتح الأفق أمام الشعب الأردني الذي يقف اليوم أمام لحظة فارقة، تتمثل في موت القوى القديمة وخياراتها وخطابها وعجز القوى الجديدة عن التبلور، وهو عجز موضوعي ينسجم مع المواقيت الدولية التي انتهت مطلع هذا العام من حسم مسارها، عبر الانتقال من خيار "الضغوط القصوى" عبر ترامب، إلى خيار "التسويات الكبرى" عبر إدارة بايدن.
تكمن أهمية مئوية الدولة في أن الشعب الأردني الذي حرم طوال قرن من امتلاك جغرافيته بقرار دولي، يجد نفسه اليوم أمام لحظة استعادة جغرافيته بقرار دولي وحاجة دولية ملحّة. لعل محاولات إيجاد نخب أردنية وفق مقاسات النظام السياسي، والأحاديث عن الإصلاح السياسي التي تتناثر اليوم في جوهرها محاولة لقطع المسار الدولي، ومحاولة تقزيم الشعب الأردني، إذ كان الرد الأردني على هذه الخيارات واضحا، عبر عزلها وإهمالها وتجاوزها في محطة انتخابات نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي.
شهد الأردنيون صراعا على السلطة في طوال العقد من 2000 الى 2010، وشهد صراعا على الدولة منذ 2010 إلى 2020. وفي سياق العقد المقبل، ستشهد البلاد تبلور الشكل النهائي للسلطة والدولة، والتي حتما ستكون مصاغة ومستقرّة حسب مقاسات الشعب الأردني وحده.