ليل فيروز وأحزانُها

10 يناير 2026

فيروز في أثناء تشييع نجلها زياد الرحباني في بيروت (28/7/2025 حسين بيضون)

+ الخط -

"أنا مش سودا بسْ الليل سوّدني بجناحُه/ مرقوا الخيّالة ع الخيْل تركوني وراحو/ ندهتلّون راحوا لا وقفوا ولا ارتاحو"... مقطعٌ من أغنيةٍ لفيروز شهيرةٍ منذ تسجيلها في 1970، كلمات الأخوين رحباني وتلحين فيلمون وهبي. العاشقة هنا، على غير المعهود من صور العاشقات، ليلُها قاسٍ يجعلها سوداء، والخيّالة التي تناديهم لا يحفلون بها. وفي قصائد الحب والعشق وأغنياتهما، الليل، غالباً، صديق، المناجاة فيه مع النجوم ومعه، في السهر وانتظار الحبيب، محبّبة، وتشيع في النفس مزاجاً رائقاً. ولكن هذا الليل في الأغنية الفيروزية (ليليّة بترجع يا ليل)، ليس كهذا، بل ليس كما في أي ليلٍ في أغنيات فيروز غير القليلة عنه. قبل عامٍ منه، غنّت عنه، للأخوين رحباني، إنه أناشيد. وحتى عندما خاطبْته (1963) "عتّم يا ليل، عتّم يا ليل أكتر"، كان هذا لتقول له "خلّي القناديل تضوّي أكثر"... وبعد سنوات (1967)، في القصيدة الجُبرانية الشهيرة "سكَن الليل" (ألحان محمد عبد الوهاب)، سكونُ الليل لا يُخيف، فللبدر فيه عيونٌ، والنجوم تكتُم الأخبار.

أسمح لنفسي وأقول إن ليل فيروز الخاص قاسٍ، كما ذاك الذي يجعل عاشقةً سوداء. يحتاجُ واحدُنا إلى خيالٍ باهظٍ ليتصوّر حال "سفيرتنا إلى النجوم" (النجوم تظهر في الليل طبعاً)، في الليل، عندما تنفرد بنفسها، للنوم أو لغيرِه، بماذا تُحدّث نفسَها. ... فقدت قبل يومين نجلَها هلي، الذي مرض في سنة مولده 1958، وظلّ قعيد كرسيٍّ متحرّك، ومُصاباً بالشلَل والصّمَم والبُكم طوال حياته، وقد قال الأطباء، في أسابيعه الأولى، إنه لن يعيش ولن يكبر، لكنه عاشَ وكبُر، وظلت أمُّه راعيةً له بحنانٍ عالٍ. وبقي هو "ملاك البيت"، كما سمّته أختُه ريما التي لولا نشرُها صورةً له قبل أربع سنوات لما عرف الملايين أن لفيروز ابناً ستّينياً في هذه الحالة. هل لنا أن نتخيّل من سيحْتارُ التاريخ، ربما قروناً، كيف يأتي بأخرى مثلها، على ما قال عبد الوهاب، إنها كانت في حزنٍ ثقيل، لأن العالم كله يُنصت لصوتها، فيما نجلُها هلي (اسمُه غريب؟) لا يسمعها، وهو الذي حواليها ومعها، بل فيها، في حشاياها أيضاً، كما كل ابنٍ في كل أم.

هلي هو الثالث بين أبنائها الأربعة يصعَد إلى السماء، وهو الذي لم يكن في الأرض تماماً. ودّعت فيروز قبل ستة شهور نجلها الموسيقار زياد، كان في عامه السبعين، وقد عاش سمّيعاً ومجدّداً في الموسيقى. وقبل 38 عاماً توفيت ابنتها، ليال، شابّة في نحو الثلاثين. ... إنها أمٌّ تفقد ثلاثة أبناء، أحدُهم ظلّ في صمته وقعْدته المديديْن وصمَمِه المؤلم أنيساً لها في البيت، وهي التي ودّعت زوجها عاصي رحباني، والد أبنائها، قبل 40 عاماً، وكانت في الخمسين. لنا أن نحدِس أن فيروز، التي صارت في التسعين قبل شهرٍ ونيف، آثرت، منذ عقود، أن تكون شحيحة الحضور، بخيلةً في الكلام، عبوسةً إلى حدٍّ ما، لأن الحزن العتيد، الجليل، فيها هو ما أخذها إلى صورتها هذه. وقد تملّينا في هيئتها، وهي تُجالس معزّينها في زياد الصيف الماضي. لم يبدُ، ربّما (ربّما هنا مهمّة)، أنها على غير مألوف صورتها. ومن مفارقةٍ أن للسيدة ملائكية الصوت أغنيةً مبكّرةً (1957)، للأخوين رحباني، عنوانُها "أحترف الحزن"، كان جيّداً أنها لم تشتهر، فالكآبة فيها لا تشجّع على سماعها. تقول الأغنية (أو القصيدة على الأصح) "أحترفُ الحزن والانتظار/ أرتقب الآتي ولا يأتي"، وأظنّها عن اللاجئين الفلسطينيين.

لم تغنِّ فيروز جديداً منذ سنوات، لم تُبهجنا بوقفتها إيّاها على أي خشبة (لا أنسى حضوري أمسيَتها في شيراتون الدوحة 2003). لكنها أطلّت، قبل تسع سنوات، بصوتها فقط، صوتِها الذي من نور، تؤدّي ترنيمةً في كنيسة في لبنان، بموسيقى قليلة جداً، في تسع تطويبات، إحداهن للحزانى... و"الحزينة" واحدةٌ من أوصاف فيروز منذ عقود. وكنتُ قد قرأتُ لناقدٍ لبناني إنها في طفولتها لم تتذوّق حلوى، ولم تعرف اللعب، وقد قالت مرّة، بما يؤشّر إلى متاعبها مع زوجها الراحل "الزواجُ صعبٌ بين البسطاء والعاديين، فكيف بيننا. عائلتنا مثل التراجيديا الإغريقية، الفرح فيها وقتيٌّ، الأساسُ فيها الحزن والألم".

تُرى، من يقدِر على تعيين مقادير أرطال الحزن والألم التي تُغالبها فيروز، وهي التي تودّع هلي اليوم، وهو يُغادر سرمداً عايشه عقوداً؟ من؟

معن البياري
معن البياري
رئيس تحرير "العربي الجديد"، كاتب وصحافي من الأردن، مواليد 1965.