ليلى الأطرش في أفغانستان

ليلى الأطرش في أفغانستان

22 أكتوبر 2021
الصورة
+ الخط -

طافت الروائية والمسرحية والإعلامية الأردنية، ليلى الأطرش، الراحلة قبل أيام (مواليد بيت ساحور، 1948)، في رواياتها التسع، منذ "وتشرق غربا" (1988)، في بلادٍ عديدة، في الشرق والغرب، وكان من شخصياتها، إلى فلسطينيين وأردنيين، عراقيون وسودانيون ولبنانيون و... . ودائما، لفلسطين حضورٌ باهظ، بشعبها في أرضه وشتاته، في مجمل ما كتبَت، سيما في ما يُمكن حسبانها رباعيةً، اختُتمت في "ترانيم الغواية" (2014)، الرواية التي كانت القدس، مكانا وتاريخا وروحا، فضاءَ السرد والحكي فيها. أما آخر روايات صديقتنا "لا تشبه ذاتها" (دار الشروق، عمّان، 2018)، فإلى بعض حضورٍ فيها لفلسطين ونكبتها، فإن عالمَها المركزي، الطاغي في مسار السرد وانعطافاته ومحكيّاته الصغرى والكبرى، هو أفغانستان. وهذا لافتٌ في سيرورة تجربة ليلى الأطرش الروائية، وربما يدلّ على رغبةٍ لدى الكاتبة في اختبار كفاءتها وجدارتها في تصوير مقاطعَ من حال هذا البلد، سيّما وأن الشخصية المركزية في النص امرأة أفغانية، هي التي تحكي وتروي، في غرفتها في مركزٍ للعلاج من السرطان في عمّان التي وصلت إليها من لندن التي كانت قد هاجرت إليها من كابول مع أسرتها الثرية، هربا من الأوضاع التي استجدّت هناك.

نجحت ليلى الأطرش، إلى حدّ كبير، وإنْ ليس تماما، في هذه الإزاحة التي أخذت إليها قارئها، بعد أن أجرت بحثا تاريخيا وسياسيا بشأن أفغانستان، البلد الذي يحضُر بعيني الراوية ومنظورها، وهي حبيبة ماء العينين أرسلان الغلزاني، الطبيبة في لندن، سليلة عائلةٍ بشتونيةٍ مترفة، والدُها سفير سابق في عهد الملك. عائلةٌ محبّة للفن والموسيقى وتعلّم اللغات الأجنبية، والبلد كانت تتوفّر على ما ييسّر هذا، قبل أن يطرأ عليها كارهو الفن الذين يغلقون معهد الموسيقى في كابول، ويهدمون تماثيل بوذا. كبُرت حبيبة في لندن، ونضج وعيُها هناك، وتدافعت فيها الذكريات عن أفغانستان، وسمعت من أبويها عن أحوالٍ كانت في البلد الذي صار كثيرون من شبابها يرتحلون إلى الجبال للقتال مع "طالبان"، الحركة التي تظهر قبيْل تدافع السرد في الرواية ومسارِه، وجريانه على لسان حبيبة، عن مراراتٍ ومغامرات، عن أفراحٍ وأحزان، عن مرضٍ لئيم، عن طلاقها من الفلسطيني الذي أحبّته في لندن، وكان مخادعا ومقامرا، وغير عابئٍ بقضية شعبه، عندما لا يمتنع عن الشراكة في مشاريع تجارية مع إسرائيليين.

حضرت أفغانستان في "لا تشبه ذاتها" (نالت جائزة كتارا للرواية العربية في 2019) مشاهد من ماضٍ يذهب إليه حنينٌ مقيمٌ في العائلة، سيما الأب الذي يأتي في سرد ابنته شخصا رائقا، وذوّاقة، وصاحب مزاج، مغرما بعمر الخيام، وساخطا من الذي يفعله النافذون في بلده. وحضرت أفغانستان، سيما كابول ومزار شريف، مجتمعا متديّنا، متسامحا، عطوفا، شغوفا بمولويات المتصوّفة. وإلى هذا، ثمّة يهود هذا البلد، فحاخام الكنيس في كابول يتحدّث عن أصلٍ عبرانيٍّ للبشتون الأفغان، وعزرا ابن سارة، صديقة أم حبيبة، يهاجر إلى فلسطين. لا تأتي ليلى الأطرش على هذه المحكيات بلغة المتسأنس بالتاريخ والاجتماع الذي يهجس بإحالاتٍ إلى إثنياتٍ وعقائد وخرافات، وإنما إيحاءً بإحاطة الراوية المتكلّمة بتفاصيل كل ما يخصّ أسرتها وذاكرتها. وكان في الوسع أن تكون هذه المواضع من الرواية أكثر إقناعا، لو اتّسقت مع اعتناءٍ أكثر بتفاصيل أوْفى للمكان، من قبيل الأطعمة والأزياء وغيرهما. أما أن جدّ الأب، بالغ الثراء، لم يتورّع عن تجريب مبيدات حشرات في فقراء لصالح شركة أجنبية مقابل المال، فثمة مرسلةٌ تُنبئ عن توازي الانتهازية في منبتٍ في العائلة مع الانتهازية البادية في الفلسطيني الذي تزوجته حبيبة عن رضى وإعجابٍ به، وأثمر الزواج عن ابنةٍ، نلقاها في الرواية تستمع إلى ما نقرأ، ما تحكيه والدتها لها ولنا.

وقائع أفغانية عابرة، مضادّة لمزاج آخر في زمن انسحبٍ ومضى، ووقائع فلسطينية عابرة، وتداعي تذكّر وتأمل في لحظة مرضٍ قاس، اجتمعوا في سردٍ مضفّرٍ بمحكياتٍ تنامت وتناسلت من بعضها، فانبنى نصٌّ يتوفّر على كثيرٍ من أسباب الغبطة به. في استعادته وإطلالةٍ متجدّدةٍ عليه هنا تحيةٌ إلى روح كاتبته، المبدعة حقا، والتي شقّت في روايتها هذه، الأخيرة لها، مسرَبا في رحلتها التي خاضت في غير مجرى للتجريب والمغامرة الإبداعية، في أفغانستان مثلا، .. وكانت المغامرة، في غير عملٍ ونصٍّ وكتابةٍ لها، أنيقةً وممتعةً غالبا.