ليس مهماً أن نحب عبد الناصر أو نكرهه

10 أكتوبر 2020
الصورة
+ الخط -

أذكر جيداً ذلك اليوم على الرغم من مرور نحو عشرين عاماً. كان جدّي يحتضر. كبار وصغار يبكون ويرتبكون. انكشف الغطاء لحظة عن قدميه، فرأيت عليهما خطوطاً حمراء. همست أسأل لو كان هذا من علامات المرض، فجاءني الرد بأنه من تعذيب المعتقل. لاحقاً كبرت وجمعت باقي القصة. لقد غاب جدّي سنوات في سجون جمال عبد الناصر، ولاقت الأسرة تفاصيل من الشقاء، أورثتني كراهية سوداء للرجل. 

غرقت في قراءاتٍ كتبها موتورون آخرون، فأصبح السد العالي سبباً لدمار خصوبة الأرض، وتأميم قناة السويس سببا لدمار البلد. القومية العربية لعبة استعمارية، والعدالة الاجتماعية تعني تجرؤ الأسافل، وتحدي إرادة الله الذي رفع بعضنا فوق بعضٍ درجات.

في عام 2003، سمعت لأول مرة باسم صنع الله إبراهيم، الكاتب الذي رفض جائزة حكومية احتجاجاً على نظام حسني مبارك. لاحقا قرأت روايته "شرف"، ليتغيّر العالم في عيني. كانت المرّة الأولى التي أرى فيها عبد الناصر بنظرة مُركّبة، كما يليق بتركيب السياسة وتعقيدها، فالكاتب نفسه سُجن في عهد عبد الناصر. 

لاحقاً وجدت ما أريد بالضبط في كتاب عبدالعظيم أنيس المهم، "رسائل الحب والحزن والثورة"، هو تجميع لرسائله في السجن إلى زوجته على مدار خمس سنوات. يمثل الكتاب نموذجا مبهرا في الفصل بين الشخصي والموضوعي، وبين العقلاني والعاطفي. بعد سجنه بفترة قصيرة، تلقى رسالةً من زوجته تعلمه أنها قد فصلت من عملها في صحيفة المساء الحكومية، وذلك بعد فصله بدوره، ليتحسّر على معاملة بلده له، وهو الذي استقال من عمله في جامعة لندن فور اندلاع حرب 1956، ولم يدّخر جهدا في نصرة قضية مصر في بريطانيا قبل عودته مختارا. 

في رسالةٍ تاريخها سبتمبر/ أيلول 1960 يحكي تفاصيل رهيبة عن سجن "أوردي أبو زعبل"، حيث تعرّض للتعذيب حتى كاد يموت، وشهد وفاة صديقه وطبيب أسرته فريد حداد، كما سمع أصوات حفل تعذيب مجموعة شهدي عطية الذي قُتل بعد رفضه ترديد "أنا مَرَة" (امرأة). بعد ذلك كله، في رسالة بتاريخ فبراير/ شباط 1962، كتبها من سجن الواحات ذي الظروف الأفضل، يؤكّد تمسّكه بمعارضة النظام الناصري، حتى لو دفع حياته ثمنا لا يتناقض مع احتفاظه "بالنظرة السياسية الإيجابية" له، ممتدحا "المنجزات التقدّمية لسياسة عبد الناصر في الشهور الأخيرة".

لم يتغير موقف أنيس بعدها بل زاد رسوخا. في مقدّمة الكتاب أكّد أنه ينشره وفاءً لذكرى زوجته، وأنه لا يقصد أبدا المشاركة في حملة التشهير التي يتعرّض لها عبدالناصر، "والتي تستهدف القضاء على كل المنجزات الإيجابية لثورة يوليو". ويواصل: "كنت وما زلت مقتنعا بأن عبد الناصر هو استمرار حقيقي لعرابي ومصطفى كامل وسعد زغلول.. وأن الذي يُنكر أن عبد الناصر هو أحد القادة المرموقين للنضال الوطني والعربي ضد الاستعمار في العالم الثالث هو شخصٌ إما مُغرض أو سفيه!"، مشدّدا على "قيمة التحوّلات الاجتماعية الهامة التي قادها".

ولا يجد تناقضاً في أن يعيد التذكير بأكبر خطيئتين للنظام الناصري برأيه، وهما إلغاء الديمقراطية، والسعي إلى وحدة اندماجية مع الدول العربية وليس الفيدرالية كما يرى أنيس. يؤكّد أن هذه هي الأسباب الحقيقية لفشل الوحدة السورية، والتي كان موقفه الرافض لوأد الديمقراطية فيها وحلّ القوى الوطنية السورية سببا لاعتقاله أصلا.

وفي سياق متصل لا يجب إغفال أن عبدالناصر ابن عصره. أفعاله كانت مطالب علنية لأطياف عدة في مصر، حتى أن حسن البنا طالب مرارا بحل جميع الأحزاب. وكذلك كان نموذج الحكم الأبوي الإستبدادي سائداً في أغلب أنظمة ما بعد الاستقلال في أفريقيا وآسيا، وذلك في عالمٍ لم يكن ينظر إلى الديمقراطية كنظرتنا اليوم، بل كان نصفه محكوما من الاتحاد السوفييتي وحلفائه، فضلا عن أنه حديث عهد بالفاشية والنازية.

ما زلت لا أحب عبد الناصر، لكني أعرف اليوم أن سؤال الحب والبغض غير مطروح أصلا. ستبقى الانحيازات العاطفية موجودة ومقدّرة، لكن يجب عزلها عن التقييم السياسي للماضي، أو في القرارات السياسية للحاضر. عيون العاشقين والموتورين عمياء.