ليس للسودانيين إلا إرادتهم

ليس للسودانيين إلا إرادتهم

19 نوفمبر 2021
الصورة
+ الخط -

يأبى عسكر السودان إلا النهل عميقاً من تجربة عمر البشير، وباقي الديكتاتوريين الذين يرون في المجازر، الواحدة تلو الأخرى، سبيلاً وحيداً للحفاظ على التفرّد بالحكم، ووأد أي تحرّك احتجاجي، فكيف إذا ما كان الحديث هنا عن انقلابٍ على أول تجربة انتقالية تعقب التخلص من حكم البشير؟
ما شهدته شوارع الخرطوم من استخدام للرصاص الحي ضد المتظاهرين في مليونية 17 نوفمبر/ تشرين الثاني، بهدف القتل لا الترهيب والتفريق، ليس بجديد لا على تاريخ عسكر السودان. قام نظام البشير على المجازر المتنقلة بين الولايات حتى أنتجت تمرّداتٍ لا تمرّداً واحدا. ويسير عسكر البرهان وحميدتي على النهج نفسه. الفارق الوحيد أنهم، هذه المرّة، لا يقفون إلى جوار البشير أو خلفه، بل هم أصحاب القرار وهم من يحتكرون آلة القتل.
حصيلة قتلى تظاهرات مليونية 17 نوفمبر ومصابيها، وهي الثالثة من نوعها منذ انقلاب 25 أكتوبر/ تشرين الأول، كانت الأعلى خلال التحرّكات الشعبية الأخيرة، وفي ذلك دلالات عدة. أهمها وأكثرها خطورة أنها بمثابة إعلان واضح من العسكر أنهم لن يتردّدوا في ارتكاب كل ما يلزم من جرائم في محاولة تسريع إنهاء الاحتجاجات، ضمن مسعى إلى تفكيك الضغوط المتعدّدة التي يتعرّضون لها، سواء داخلياً وخارجياً، خصوصاً بعدما فشلت مناورتهم لإرساء معادلة الشارع المضاد، الذي استخدموه قبل الانقلاب، لكنه لم يصمد بعد 25 أكتوبر، وأمام زخم الاحتجاجات المناهضة للردّة على المرحلة الانتقالية.
ويواجه العسكر معضلة رئيسية في ظل استمرار رفض رئيس الوزراء الذي تمت إطاحته، عبد الله حمدوك، العودة إلى ترؤس حكومة جديدة، بعد تعثر جميع الوساطات (الأميركية، والتي قادها جنوب السودان، والاتحاد الأفريقي) في جسر هوّة الخلافات بشأن الشروط المطروحة من الطرفين. وعلى الرغم من تهديدهم المستمر بتعيين رئيس حكومة جديد، فإن تريث الانقلابيين في إعلان هذه الخطوة مردّه إلى سببين؛ الأول إدراك العسكر خطورة قرار كهذا، وتسببه الحتمي في تلاشي أي فرصةٍ لعودة الدعم الاقتصادي الغربي. الثاني معرفتهم أن أي شخصيةٍ ستتولى هذا المنصب لن ينظر إليها إلا كواجهة للعسكر، نظراً إلى عجزهم عن تحقيق اختراق داخل أحزاب القوى المدنية المنضوية في قوى الحرية والتغيير، والتي أجمعت، على الرغم من اختلافاتها، على رفض التطبيع مع الانقلاب. كما اتخذت أحزابٌ وقوى كانت قد ابتعدت عن قوى الحرية والتغيير موقفاً مشابهاً، ليتلاقى الجميع مع تجمع المهنيين بشقيه، ولجان المقاومة، على ضرورة المضي في الحراك المناهض للانقلاب، وإنْ كانت الاختلافات لا تزال قائمة بشأن "دفن الشراكة" مع العسكر أو إحيائها على أسس جديدة، على اعتبار أن الظروف الحالية لا تسمح بالحديث عن إقصائهم.
ويمكن لمجزرة الأربعاء أن تشكّل نقطة تحول في الأزمة، على غرار ما جرى عند مجزرة فض الاعتصام أمام مبنى القيادة العامة للقوات المسلحة في الخرطوم (يونيو/ حزيران 2019)، خصوصاً إذا ما أفضت التطورات إلى تجاوز القوى المدنية للخلافات في ما بينها بعدما كانت سبباً في إضعافها منذ بداية المرحلة الانتقالية، وعمدت إلى تشكيل جبهةٍ موحدةٍ في مطالبها ورؤيتها للمرحلة المقبلة، وإذا ما اقترن ذلك بتصعيد للعصيان المدني وإعادة الزخم له من القوى المهنية والنقابية.
أما التعويل على ضغط خارجي فلا يجب أن يوضع في حسابات أي من السودانيين، فالمواقف الصادرة عن دول مثل الولايات المتحدة، وفرنسا، وباقي دول الاتحاد الأوروبي، الداعية إلى انهاء مفاعيل الانقلاب، تبدو بلا طائل، وفي أقل تقدير محدودة التأثير. يكفي التفكير أن أميركا تستنجد بإسرائيل لإقناع الانقلابيين بالعودة إلى المرحلة الانتقالية، على أن يُضاف إلى ذلك موقف روسيا التي رفضت منذ اليوم الأول توصيف ما جرى بالانقلاب، والصين التي تختزل الانقلاب وتطلق عليه اسم "القضية".