ليبيا: لجان تتشكل وأزمة تراوح مكانها

ليبيا: لجان تتشكل وأزمة تراوح مكانها

09 يناير 2021
الصورة
+ الخط -

يستذكر ليبيون كثيرون، وهم يتابعون استمرار تشكيل اللجان المنبثقة من لجنة الحوار السياسي الليبي، القول المشهور "إذا أردت أن تُميع موضوعاً، فشكّل له لجنة". تلك اللجان التي لا يعرف أحد سوى بعثة الأمم المتحدة (أو الراسخين في العلم) أهدافها او آلية اختيارها. ولعل جديدها تلك اللجنة التي شّكلتها بعثة الأمم المتحدة، وسمّيت "اللجنة الاستشارية لملتقى الحوار السياسي الليبي"، وقد حُدّد لها 18 عضوا. يبدو أنها كانت محاولة من البعثة لمنع إفراغ ملتقى تونس للحوار السياسي من هدفه الرئيسي، الاتفاق على اختيار سلطة تنفيذية تدير البلاد في فترة انتقالية محدودة. وقد صرحت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة في ليبيا بالإنابة، ستيفاني وليامز، بأن لجنة الحوار السياسي هي من اختارت أعضاء هذه اللجنة، وتم تحديد العدد "لضمان التنوع الجغرافي والسياسي على أوسع نطاق، بالإضافة الى ضمان مشاركة المرأة والشباب والمكونات الثقافية". وأفادت المندوبة الأممية بأن ولاية اللجنة الاستشارية محدّدة زمنيا بشكل صارم، وستكون مهمتها الرئيسية مناقشة القضايا العالقة ذات الصلة باختيار السلطة التنفيذية، وتقديم توصيات ملموسة وعملية، لتقرّر بشأنها الجلسة العامة للملتقى الذي انعقدت أولى جولاته في التاسع من نوفمبر/ تشرين الثاني 2020 في تونس، تحت اشراف بعثة الأمم المتحدة، من دون التوصل إلى مقترحات توافقية حول آليات اختيار الحكومة الجديدة. ولا تزال تلك الآليات عائقا أمام تحقيق أي توافق بين الأطراف السياسية في ليبيا، ولم يتمخض عن هذه الاجتماعات سوى اتفاق واحد، يتعلق بتحديد موعد لإجراء انتخابات عامة في 24 ديسمبر/ كانون الأول 2021، على الرغم من أنه لم تحدد الأرضية الدستورية التي ستعتمد عليها هذه الانتخابات. 

اختارت بعثة الأمم المتحدة إلى ليبيا 75 عضوا، ليمثلوا لجنة الحوار السياسي، من دون أن تكلّف الممثلة الخاصة للأمين العام بالإنابة نفسها عناء إيضاح المعايير التي اعتمدتها في اختيار هؤلاء عددا وأسماءً، واكتفت، في معرض ردها على الانتقادات التي وُجهت إليها في هذا الشأن، بقولها "إنه لا داعي للخوض في التفاصيل، وإن التركيز يجب أن يكون على النتائج وليس على الحضور". انتظر الجميع النتائج (كما أوصت المندوبة)، ولكنها لم تكن سوى مزيد من التشظي والانقسام بين أعضاء لجنة الحوار، والذي يعكس في الواقع ما آلت إليه الأمور في المشهد السياسي في ليبيا، من خلال الأطراف المتصارعة على السلطة، تلك الأطراف التي حاولت استمالة أعضاء لجنة الحوار، بل ووصل الأمر إلى تهمة دفع رشاوى، ما جعل المندوبة تصرّح بأن الأمم المتحدة ستنظر وتحقق في هذه المزاعم، وقالت إن التقارير أحيلت إلى فريق الخبراء الأممي، "بالنظر إلى أن مثل هذه الأنشطة إذا ثبت حدوثها، يمكن أن تشكل إعاقة للعملية السياسية وتخضع لعقوبات".

عوائق كثيرة أمام تحقيق أي توافق بين الأطراف السياسية في ليبيا

وكغيرها من اللقاءات والحوارات بين الفرقاء الليبيين، المختلفين على المناصب والكراسي، وعقدت في عواصم ومدن عربية وغربية، شهد العام 2020 كثيرا منها، لم يكن لاجتماع تونس الذي عوّل عليه الليبيون كثيرا أي دور في إنهاء أزمة ليبيا السياسية والاقتصادية والاجتماعية، والتي ألقت بظلالها على كل مناحي الحياة، حيث لم تفلح المدة الإضافية (ثلاثة أيام) التي منحتها المندوبة الأممية في تحقيق أي تقدّم. ولم تكن الاجتماعات التي عقدت عبر تقنية "الفيديو كونفرانس" أحسن حالا من تلك المباشرة، حيث استمر الفرقاء في التشبت بآرائهم، من دون أن تكون البعثة قادرة على إيجاد كلمة سواء فيما بينهم، فاكتفت المندوبة بالقول إنه "لا يمكن وضع حلول لصراع استمر عشر سنوات في أسبوع". 

وقد سبق تشكيل هذه اللجنة التشاورية استحداث أخرى، سمّيت اللجنة القانونية، من 18 عضوا تم اختيارهم من بين أعضاء لجنة الحوار السياسي أيضا، تهدف (حسب بيان البعثة) إلى متابعة مناقشات اللجنة الدستورية المشكلة من مجلسي النواب والأعلى للدولة، وتقديم التوصيات بهدف المساعدة، ومنها مقترحات الترتيبات الدستورية المناسبة المؤدية إلى الانتخابات الوطنية. كما تختص اللجنة القانونية بتقديم المشورة لملتقى الحوار بشأن المسائل القانونية المتعلقة بالإطار القانوني اللازم لتنفيذ الانتخابات المقترحة، حسب ما ذكرته ديباجة قرار تشكيلها. 

يتوالى تشكيل اللجان، بينما مجلس النواب، وهو الجسم الوحيد المنتخب في ليبيا، يعاني من عدوى الانقسام

يتوالى تشكيل اللجان، بينما مجلس النواب، وهو الجسم الوحيد المنتخب في ليبيا، يعاني من عدوى الانقسام التي أصابت معظم المؤسسات الرئيسية في الدولة، على الرغم من أن تشكيل لجنة الحوار الليبي، مع إعطائها صلاحيات واسعة، جعل النواب يشعرون بأنه قد يسحب البساط من تحت أرجلهم، الأمر الذي أدّى، مؤقتا، إلى اتفاقهم على ضرورة مواجهة هذا الكيان المستحدث، وتم التئام هذا الجسم بشقيه، طرابلس وطبرق، في اجتماع احتضنته طنجة، أكّدوا فيه على رفض إيجاد أي جسم موازٍ يساهم في إرباك المشهد، في إشارة إلى صلاحيات لجنة الحوار السياسي (بيت القصيد). وبمجرّد لقاء غدامس الذي عقد مباشرة بعد لقاء طنجة، وبتوصية منه، اختفت تلك الحرارة، وعجز اللقاء عن إذابة الجليد، التي أشار إليها وزير الخارجية المغربي، ناصر بوريطة، عندما خاطب أعضاء مجلس النواب في اجتماع طنجة "كنا نقول، في بداية الاجتماع، إن الرغبة هي تذويب الجليد، لكنكم تجاوزتم ذلك، بأن خلقتم حرارة في هذه القاعة، وجوا أخويا، سيكون له تأثير إيجابي على هذا الاجتماع، وعلى الاجتماع الذي بعده". 

أصيب الليبيون بخيبة أمل جديدة، أضيفت إلى خيباتهم المتكرّرة، عندما انتهى لقاء غدامس بخلافٍ على المناصب مرة أخرى (كالعادة)، حيث طالبت مجموعة من النواب بعزل رئيسه عقيلة صالح، باعتباره شخصية جدلية، أدّت قراراته إلى إضعاف المجلس وانقسامه. بينما تمسك باقي النواب بالدفاع عن شرعية رئاسته، وما بين هؤلاء وأولئك، انتهى الاجتماع بشكل يؤكّد ضعف بنية هذا المجلس التشريعي، والذي يؤدّي إلى الانقسام عقب كل اختلاف، وعاد نواب طرابلس ونواب طبرق كلٌّ إلى مجلسه، في انتظار بعثة الأمم المتحدة لتحلّ الخلاف بينهما، ولو أدى الأمر إلى تشكيل لجنة خاصة بذلك.

أصيب الليبيون بخيبة أمل جديدة، أضيفت إلى خيباتهم المتكرّرة، عندما انتهى لقاء غدامس بخلافٍ على المناصب مرة أخرى

أما المجلس الرئاسي وحكومته، فأمره لا يختلف كثيرا عن مجلس النواب، فرئيس المجلس الرئاسي، فائز السراج، ومحافظ مصرف ليبيا المركزي، الصديق الكبير، يديران معركة من نوعٍ آخر (قد تكون أهم من توحيد المؤسسات الليبية) حول السيطرة على المصرف الليبي الخارجي، والتي طفت على السطح، عندما قرّر السراج تشكيل جمعية عمومية، تتولى تسمية مجلس جديد لإدارة المصرف، بعد اتهام رئيسه السابق بتهم فساد وتجاوزاتٍ تتعلق بأصول المصرف، وإحالته إلى القضاء، في وقت يتشبث فيه الكبير بأحقية المصرف المركزي الذي يرأسه في هذا الاختيار، باعتباره المالك الوحيد للمصرف الخارجي. وبالتالي، المصرف المركزي هو الذي يمثل الجمعية العمومية للمصرف الخارجي، وما بين من يرسم السياسة النقدية للدولة ومن يُنفّدها، التعنت سيد الموقف، ولا يزال كل طرفٍ يتحجّج بقانونية تصرّفه، في انتظار بعثة الأمم المتحدة لحل هذه الإشكالية، ولو أدّى الأمر إلى تشكيل لجنة وساطة فيما بينهما.

استنادا إلى ما تقدّم، وفي ظل هذه الفوضى التي تعصف بالبلاد، ونتيجة انشغال الساسة بالبحث عن المناصب واقتناص الفرص بالفوز بالكراسي، وأمام هذا التعنت المستمر، قد لا تملك بعثة الأمم المتحدة حلا إلا تشكيل لجان أخرى، علها تجد مخرجا يضمن تقاسم السلطة بين هؤلاء، في حين يبقى المواطن الليبي يردّد سؤالا لم يتلق إجابة شافية عنه بعد: هل تشكيل اللجان سيحل المعضلة أم سيُميعها؟