ليبيا في مسارات مُتزاحمة
ليبيون يتظاهرون في طرابلس ضدّ حكومة الوحدة الوطنية (20/7/2025 فرانس برس)
يلفت الانتباه تزامن تحرّكات حكومتَي بنغازي وطرابلس لاتخاذ خطوات لتجديد الشرعية وتوسيع نطاق نفوذهما. فمنذ بداية الشهر الماضي (نوفمبر/ تشرين الثاني)، تشهد ليبيا حالةً من المُزاحمة السياسية، فبينما بدأ خليفة حفتر مقابلات مع مشايخ المدن الغربية ووجهائها للتلاقي في ملامح مشتركة، شرع الحُكم في طرابلس في ترتيب الجيش وإنشاء هيئة تنسيقية من مكوّنات السلطة. ومع استمرار العملية السياسية لبعثة الأمم المتحدة، تتضح ملامح السياسات تجاه تكامل الدولة أو تجزيئها، في ظلّ انسداد مسار الانتخابات وتآكل الثقة في الأطر الدستورية الحاكمة للمرحلة الانتقالية. وتأتي هذه التحرّكات المتزامنة على أرضية هشّة تتقاطع فيها حسابات النُّخب المحلّية مع ضغوط الفاعلين الإقليميين والدوليين، بما يعمّق الإحساس بأن البلاد تُدار بمنطق تصفية الحسابات أكثر مما تُقاد بمنطق بناء الدولة.
ويتناول هذا المقال سلوك السلطة في ليبيا وبدائل الحلول لديها، وخصوصاً ما يتعلّق باتجاهات استثمار القوة السياسية في علاقات التعاون والصراع.
مساعي حفتر إلى التغلغل في غربي ليبيا
قامت سياسة القائد العام للجيش الليبي (بحسب واحد من أوصافه)، خليفة حفتر، على الجمع بين الإطار الاجتماعي والشعبوية للحصول على ركائز سياسية في غربي ليبيا، اعتمد فيها على مسارين؛ يتمثّل الأول في الارتكاز على الفواعل المجتمعية باعتبارها (تاريخياً) من مصادر إسناد السلطة أو دعمها، إذ توفّر كيانات الشيوخ والقبائل ظهيراً مُعبِّراً في الشؤون السياسية. سابقاً، ساهم الاستحواذ على ولاء القبائل وكياناتها المؤثّرة في المضي بمشروع "الكرامة" نحو بناء سلطة مركزية في الشرق وامتدّ نفوذها إلى الجنوب، وهنا، يوفّر التواصل مع مكوّنات مجتمعية في الغرب الليبي فرصةً للارتكاز على ظهير اجتماعي يتمتّع بقابلية التحوّل لفعلٍ مؤسّسي.
ومنذ 9 نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، عقد حفتر مقابلات مع وجهاء ومشايخ من بعض المدن الغربية لتكوين الظهير السياسي. قامت المقابلات في بنغازي على توسيع تحالفات التمدّد غرباً لتشمل الكيانات والتيارات المؤيّدة لمعمّر القذافي. وبدأ بالاجتماع مع وفود من بني وليد وترهونة وغريان والزاوية، بالإضافة إلى مدنٍ أخرى، لتفتح هذه التحرّكات ثغراتٍ متقدّمة في مناطق نفوذ حكومة الوحدة، يمكن أن تتحوّل لاحقاً مصادرَ تمرّد عسكري أو عصيان مدني، وهنا ركّزت الدعوة في حشد الفواعل القَبَلية على مستوى البلاد لإثبات جدارته بأيّ موقع سياسي أو عسكري، وهي تأتي ضمن سلسلة من مخاطبة الكيانات المجتمعية، فمنذ 2020، ظهرت اقتراحات التفويض الشعبي لرئاسة حفتر ليبيا حلّاً من خارج المسارات القائمة، وتكرّرت دعوة الجماهير إلى التعبير عن الإرادة الشعبية والتفويض أكثر من مرّة في النصف الثاني من هذا العام.
لا يوفّر الجدل الدستوري أرضيةً مناسبةً للاحتجاج بصلاحية الممارسة السياسية، إذ تتجاوز المؤسّسات المُنتخبة أجل انعقادها
واهتم المسار الثاني بصياغة المحتوى السياسي لتحرّكات المؤيّدين، فاستعان حفتر (9 نوفمبر) بمفاهيم تقليدية عن سُلطة الشعب في تقرير مصيره، لتشكّل محتوىً للتعبئة السياسية والاجتماعية اللازمة لتوسيع مساحات النفوذ عبر تبنّي الروابط القَبَلية، إذ تقوم قناعات النُّخبة الشرقية على أن بقاءها في الشرق والجنوب غير كافٍ لنجاح أيّ طموح سياسي، وهو لا يكتمل سوى بالوصول إلى رئاسة الدولة من العاصمة، خياراً أوّلَ أو خيار التحوّل إلى الحُكم الذاتي. وتحت هذه التطلّعات، كانت دعوة خليفة حفتر إلى تجميع مؤيّديه على مستوى البلاد للتصدّي لمخاطر الفترة المقبلة، وذلك على أرضية تعريف أزمة ليبيا نتاجاً لعوامل: الفشل السياسي، والصراعات المستمرّة، والفساد، وفوضى السلاح، التي وصلت إلى حالة عميقة من الفوضى لا يمكن حلّها بالتفاوض أو الضغوط الخارجية. ولهذا اعتبر حفتر اللجوء للإرادة الشعبية المباشرة مخرجاً لتصحيح تدهور المعيشة. لم تكتفِ قوى الشرق بتهيئة البيئة للضغط على حكومة الوحدة، بل ظهر تلويحٌ بالحكم الذاتي في مواجهة المركزية الطرابلسية، ليكون موقفاً احتجاجياً ضدّ تحوصل قادة حكومة الوحدة وضعف البعثة الأممية عن إكمال خططها.
وعلى الرغم من مرور الكيانات المجتمعية بانقسامات وانخفاض مستوى الرضا عن أداء الحكومات، فإنها تشهد تغيّرات مهمة. فعلى خلاف تجنّب بني وليد المشاركة في تفويض حفتر في عام 2020، كان بعض مشايخ المدينة وتنسيقية أبناء ورفلة فاتحة لإعلان تأييد حفتر، ما يمثّل تغيّراً له أثره في رسم ملامح خريطة النفوذ في الغرب والجنوب الليبي، فقد عكس الاجتماع مع ممثّلي كيانات بني وليد تلاقيا على تفعيل نفوذ قبيلة ورفلة، واحتضان ما يمكن تسميته البيان التأسيسي لتصوّر خليفة حفتر عن المرحلة المقبلة. في هذا السياق، تحدُّ الانقسامات من فرصة التغيير السياسي، فتفتقر المبادرات للكتلة المُرجِّحة سياسياً أو عسكرياً، غير أنه بالنظر إلى تجربة "كرامة ليبيا"، منذ 2014، استطاع "خليفة حفتر" تحويل مصادر تأييده لبناء سلطة مركزية على قسمٍ كبير من الأراضي والموارد الليبية من دون انتظار تبلور الدعم الشعبي أو خرائط البعثة الأممية.
حكومة الغرب والتحوّط للمخاطر
في مواجهة ضغوط المطالبة بالانتخابات ونقص سيطرتها على المنطقة الغربية، تحاول مُكوّنات الحُكم في طرابلس تصوير انطباع بوحدة السلطة ومحاولة تمديدها على الإقليم الليبي. وفي تزامن مع تحركات خليفة حفتر، بدأ رئيسا المجلس الرئاسي وحكومة الوحدة الوطنية، محمد المنفي وعبد الحميد الدبيبة، صياغة بيئة عملٍ مشترك للحدّ من الخلافات التي نشبت خلال الفترة الماضية، وهنا يمثّل اجتماعَ ترتيب الجيش والإعلان عن تشكيل "الهيئة العليا للرئاسيات"، واحدةً من محاولات ترميم السلطة لمواجهة تسارع المركزية في شرق ليبيا وإضعاف مبرّرات مطالب تشكيل حكومة جديدة.
بعد مرور حكومة طرابلس بأزمات أمنية وعسكرية متتابعة، دعا المجلس الرئاسي إلى عقد اجتماع في 9 الشهر الماضي (نوفمبر/ تشرين الثاني) لإعادة تنظيم المؤسّسة العسكرية، شارك فيه رئيس حكومة الوحدة وقادة عسكريون، وذلك بهدف ضبط الهيكلة العسكرية في العاصمة وخارجها. يلقى هذا التوجّه تحدّيات تشريعية ومؤسّسية لم يشر إليها الاجتماع، وخصوصاً ما يتعلّق بعدم التحكّم بمنصب القائد العام، وغياب الصلاحيات التشريعية في تعيينه.
وفي سياق التخلّص من التناقضات الداخلية، أعلن وزير الاتصال، وليد اللافي، في 20 نوفمبر، تشكيل الهيئة العليا للرئاسيات بمشاركة رئيس المجلس الأعلى للدولة، والمجلس الرئاسي مجتمعاً، ورئيس حكومة الوحدة، وهي مظلّة عمل تُنسّق بين المؤسّسات وتوحّد القرار لمعالجة التحدّيات السياسية والاقتصادية والأمنية، عبر اجتماعاتٍ دوريةٍ واستثنائية. وحسب إعلان تشكيلها، لا تُعدُّ الهيئة كياناً سياسياً جديداً، فلم تصدر بقانون أو قرار ينظّم أعمالها، ليقتصر وضعها على أن تكون مظلّةً توافقيةً تحت رئاسة محمد المنفي، فتفتقر إلى صفة الإلزام بقدر ما هي إطار لتسوية الخلافات من دون الإخلال بصلاحيات مشاركيها، لكنّه لا يوضّح طريقة ممارسة الصلاحيات مع اختلاف الوظائف ما بين التنفيذية والتشريعية.
تبدو مسارات حكومة الوحدة والقيادة العامة والبعثة الدولية محاولاتٍ لتشييد سلطة خالية من الإرادة الشعبية
وعلى الرغم من تركيز هدف إنشائها في التنسيق ومنع ازدواج القرارات، لا يتوفر إطار للتعامل مع اختلاف اختصاصات المؤسّسات المشاركة، ما يدعو إلى البحث عن مرامي هذه الخطوة من رئيس حكومة الوحدة والمجلس الرئاسي. قد يُقدم البحث عن مركزية السلطة تفسيراً عاماً، لكنّ ثلاثة أسباب تظهر على المستوى التفصيلي، في مقدّمتها تجاوز الضغوط الناشئة عن المشكلات الأمنية الناتجة من تداعيات قتل ئيس جهاز دعم الاستقرار التابع للمجلس الرئاسي، عبد الغني الككلي، وخصوصاً ما يتعلّق بتعارض مواقف المؤسّسات تجاه الهيكلية العسكرية وانتشار الاحتجاج في غربي ليبيا.
ويكشف التتابع الزمني وضوح بُعد الاستجابة للتحدّيات الآتية من الشرق والجنوب، فيكمن السبب الثاني في أن تحرّكات حفتر في غربي ليبيا، واتصالاته الدولية، تمثّل تحدّياً لمشروعية ترتيبات مسار خريطة طريق ما بعد مارس/ آذار 2021، إذ صارت سلطات طرابلس تواجه تحدّيات المؤسّسية والمركزية. وكان ثالث الأسباب والدوافع في التحوّط ضدّ سحب الثقة منها وإظهار تماسكها القانوني والسياسي، إذ تواجه مطالب تشكيل حكومة جديدة. ومن هذه الوجهة، يكون إنشاء الهيئة محاولة للبقاء في المدى المنظور، فقد تبنّت أهدافاً لم تستطع إنجازها في سنوات سابقة، وخصوصاً عندما تشير إلى معالجة الانقسامات وبناء الدولة القوية، فيمكن وصف الخطوة محاولةً لرفع كلفة أيّ تغيير، سواء من حكومة الشرق أو البعثة الأممية.
على أيّ حال، تمثّل هذه المرحلة اختباراً لقدرة حكومة طرابلس على الانتقال نحو التماسك المؤسّسي وتهدئة الخلافات ما بين المكوّنات السياسية والعسكرية. وهنا قد تساهم هيئة الرئاسيات في تغيير نمط العلاقة ما بين الرئاسي وحكومة الوحدة من تنافسية إلى تنسيقية. فبعد خلافات مايو/ أيار الماضي، يُعدُّ اللجوء إلى التنسيق محاولةً للتساند في مواجهة تحدّيات المشروعية، وترشيد التآكل الذاتي لكيانات السلطة في الغرب الليبي.
البعثة وميراث العشوائية
تجري سباقات المُزاحمة ما بين شرق البلاد وغربها في بيئة مضطربة، يصعب معها الوثوق في استقرار خيارات سلطات ليبيا، فبغضّ النظر عن هشاشة المؤسّسية، تقطع المُزاحمة الطريق أمام التراضي على توحيد المؤسّسات أو تجديد النُّخبة، فيقف أطراف السلطة عند نقطة التمسّك بالوضع القائم، لتتشكّل ملامح غير مكتملة التمثيل الوطني، وشيوع حالة السلطة الجزئية. وإلى جانب الضعف الواضح في المؤسّسية الليبية، تتبع البعثة الأممية نمطاً من المشاورات العشوائية عبر الإنترنت لصياغة أجندة الحوار. وفي 11 نوفمبر، أجرت استطلاعاً لدعم جلسة الحوار المباشرة المنعقدة في 27 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، وشارك فيها 450 شخصاً، بهدف توسيع دائرة المشاركين من خارج الجلسة الحضورية. وفي الحالتَيْن، لا يتّضح تمثيل العينة للمجتمع الليبي أو توافر الحدّ الأدنى من التمثيل السياسي، إذ نادت بترشيحات من دون معايير تمثيلية واضحة يقوم عليها اختيار 120 عضواً في اللجنة الجديدة.
بينما يرتكز الحكم في غربي ليبيا على الاعتراف الدولي وكثرة سكّانية، تقع غالبية الموارد في نطاق سيطرة حكومة شرق ليبيا
ورغم مساعي حلّ انقسامات الدولة، شكّلت خرائط البعثة الأممية واحداً من مصادر بذور الانقسام، عندما أسبغت على لجنة الحوار السياسي "75" اختصاصات دستورية بعيداً من سلطة البرلمان، ما شكّل وضعاً من السلطات المتوازية، سكتت فيه عن تنظيم العلاقة ما بين مجلس النواب والمجلس الرئاسي، وقد تسبّبت هذه الثغرة في ظهور خلافاتٍ عديدة حول السلطة العليا في الدولة والاختصاص بإصدار القوانين، وهي حالة تمهّد الطريق لانعدام الدولة، وهي نتيجة توضح انعكاس وظيفة البعثة، فبدلاً من المساعدة في بناء الدولة، شكّلت العمليات السياسية بيئةً مناسبةً لتعميق الوصاية الأممية على ليبيا.
المُزاحمة بين القانوني والسياسي
وفي إطار استكشاف عوامل القوة والضعف، يساعد المدخلان القانوني والسياسي في فهم أبعاد البيئة، واستجابتها لتلك التحرّكات. بشكل عام، لا يوفّر الجدل الدستوري أرضيةً مناسبةً للاحتجاج بصلاحية الممارسة السياسية، إذ تتجاوز المؤسّسات المُنتخبة أجل انعقادها، وترجع هذه التصرّفات إلى سيولة الإطار الدستوري وتعارض المواقف إزاء مكوّناته: الإعلان الدستوري، والاتفاق السياسي، وأخيراً خريطة الطريق (2021)، فلا تقتصر تداعياتها على تباين التأويل، بل لأنها توفّر الأرضية لانفصال السلطات. وفي ظلّ هذه السيولة، لا يساهم قرار المحكمة العليا بدستورية الاتفاق الليبي في تماسك الإطار الدستوري للدولة، بقدر ما يفتح الطريق أمام تنازع الاختصاصات، وخصوصاً فيما يرتبط بإصدار القوانين وتشكيل هيئات جديدة ومراجعة المؤسّسات العامّة.
وبالإضافة إلى المشكلات القانونية، تجري المُزاحمة في بيئة سياسية أكثر تعقيداً، فقد فقدت المؤسّسات القائمة شروط الحيوية والفاعلية نتاجاً لميراث طويل من فقدان المشروعية وهيمنة العائلية والشخصانية على عمليات تقاسم الموارد. ورغم تحدّيات الوراثة، فإنه مع التعديلات الجديدة في "القيادة العامّة"، زادت القوة الدبلوماسية لحفتر، فصار أكثر حركيةً على المستويين، الإقليمي والأوروبي، كما على المستوى التركي، متجاوزاً عُقدة الاعتراف الدولي بشكل يكافئ اعتماد السلطة الغربية عليه مصدراً أساسياً للمشروعية.
ومع تشتّت فرصة الحلّ السياسي، يُرسي ما تشهده ليبيا منذ أشهر شروط اكتمال الحكومتَيْن في جانبي البلاد، فكما يشكّل مجلس النواب ظهيراً لحكومة الشرق ومؤسّساتها، يُعدُّ انخراط مجلس الدولة في الهيئة التنسيقية الخطوة الأولى في دوره جهة تشريعية لحكومة الغرب. وهي صيغة تتضافر مع تقسيم الموارد في وضع أسس التقسيم الواقعي، لتظهر خيارات جديدة ما بين بديلَيْن؛ الوحدة تحت قيادة النخبة السياسية في الشرق أو تفضيل الحُكم الذاتي حلّاً أخيراً. يتعزّز هذا التوجّه بالتباعد المستمرّ ما بين جهتَي التشريع، فمنذ أزمة انتخابات مجلس الدولة في بداية العام الجاري، يأخذ الخلاف مع مجلس النواب في الاتساع، فيقف المجلسان على طرفي نقيض من التسابق على توطيد سلطة أمرٍ واقع في جانبَي البلاد، تُمثّل فيه المؤسّستان الجهة الأقل مرونة في التكيّف مع التغيّرات المتسارعة، ليكون موقعها أقرب إلى إسناد الإجراءات أو الاندماج في الجهات التنفيذية.
كشفت السنوات الماضية إلحاح الحاجة لاستعادة الدولة بعد فشل السلطة في تجميع مصالح المجتمع والتعبير عنه
وفي السياق السياسي نفسه، تبلورت ثنائية اختلاف السلطة والموارد. فبينما يرتكز الحكم في غربي ليبيا على الاعتراف الدولي وكثرة سكّانية، تقع غالبية الموارد في نطاق سيطرة حكومة شرق ليبيا، ما يمثّل قيوداً تحدّ من انطلاق أيٍّ من الطرفَيْن لبسط سيطرتهما على كامل التراب الليبي أو إنشاء سلطة متكاملة الموارد والاعتراف الدولي. تضفي هذه الحالة قيوداً من حديد على التراضي بشأن الحلّ السياسي أو العسكري، فخلال السنوات الماضية، نجحت الحلول الجزئية، فيما عجزت الأطراف عن إنجاز مشروع وطني، سواء بسبب تشتّت مصادر القوة أو العجز عن تحويل الاحتجاج إطاراً سياسياً. فمنذ حراك "لا للتمديد"، لم يصمد أيّ حراك لاحق. يُقدم الانقسام الاجتماعي قراءةً لصعوبة تحويل مطالب المحتجّين أو المؤيّدين لمسار سياسي، فهناك أمثلة عديدة على فشل تحويل المظاهرات المؤيّدة والمعارضة كتلةً اجتماعيةً أو عسكريةً حرجةً لدعم أيّ اختيار سياسي. ومن هذه الوجهة، لم تؤدِّ مظاهرات طرابلس في مايو/ أيار الماضي إلى إقالة الحكومة، كما لم يؤدِّ نزول متظاهرين دعماً لخليفة حفتر إلى تجسيد مطالبهم السياسية.
على أيّ حال، قد يضفي تفاوت قوة السلطة أبعاداً إضافية على مُعضلات تماسك الدولة، فبينما شهد الغرب الليبي صراعاً أو تنافساً على السلطة، فإنه خلال السنوات الماضية، تمكّنت السلطة في الشرق والجنوب الليبي من ترتيب حكومة مركزية، تعاونها إدارة مدنية وعسكرية، ليشكّل اختلاف نمط ممارسة السلطة عاملَ ضغطٍ على حكومة الوحدة الوطنية، فوضعها باستمرار أمام اختبار إثبات جدارتها في حفظ الأمن، وفضّ الاشتباك ما بين الكيانات المُسلحة، وتعدّد الخلاف بين وحدات الجيش الغربي وبقائه من دون قيادة عامّة.
ومع رُسوّ سمات التفكّك والتشتّت، ليست الديمقراطية وحرية الانتخابات السؤال المركزي، فقد كشفت السنوات الماضية إلحاح الحاجة لاستعادة الدولة بعد فشل السلطة في تجميع مصالح المجتمع والتعبير عنه، ولذلك، يمكن قراءة مسارات حكومة الوحدة والقيادة العامّة والبعثة الأممية محاولاتٍ لتشييد سلطة خالية من الإرادة الشعبية، فكلٌ منها يسعى إلى توطيد موقعه ودوره باستدعاء عينات عشوائية من المجتمع وتقديمها مصدراً للشرعية، ولو وفق معايير انتقائية، وهذا ما يتطلّب البحث عن بدائل تُخاطب الواقع واحتياجاته.