لو خرجت من جلدك لما عرفتك

09 اغسطس 2026

الوزير التونسي السابق عبيد البريكي في مؤتمر صحافي (3/10/2016 Getty)

من الصعب اختزال المثقّفين في خانة واحدة. لهذا، كلّما ساد الاعتقاد بأنّ موضوعهم قُتل بحثاً، حتّى يتبيّن أنّ الأمر يتطلّب مزيداً من النظر في أدوارهم وقدراتهم على التشكّل والتبرير والتقمّص. وهو ما دفع المفكّر والجيوبوليتيكي الفرنسي باسكال بونيفاس (مدير معهد العلاقات الدولية والاستراتيجية) إلى إصداره كتاب "المثقّفون المزيّفون" (2011)، كشف فيه ظاهرة غياب النزاهة الفكرية لدى شريحة من المثقّفين الفرنسيين، واتهمهم بـ"الخيانة". فهل ينطبق هذا التوصيف على الحالة التونسية، أم أنّها مختلفة في مكوّناتها ومفرداتها؟
أسهمت شريحة المثقّفين التونسيين، بشكل واضح، في إجهاض التحوّل السياسي ودفعه نحو طريق مسدود. لكن على الرغم من انقسامهم الحادّ حول الموقف من حدث 25 يوليو (2021)، تقاربت نظرتهم منه فلم يبقَ إلا عدد قليل يدافع عنه. وهذه الأقلّية في حاجة إلى فهم طريقة تفكيرها من داخل المنظومة التي تدافع عنها باستمرار. فالأمر يتجاوز التنديد والإنكار، بقدر ما يستوجب الفهم الموضوعي للسردية التي يستند إليها هؤلاء. ولعلّ من شأن الحوار الذي أجراه، أخيراً، المثقّف اليساري والسياسي والنقابي عبيد البريكي، أن يساعد في هذا، فالرجل من مؤسّسي حزب الوطنيين الديمقراطيين الموحّد (الوطد)، وكان نائباً للأمين العام لاتحاد الشغل، ورئيساً للمؤتمر الذي انبثق منه الحزب، ومن أصدقاء الشهيد شكري بلعيد، وحالياً هو الأمين العام لحزب صغير (حركة تونس إلى الأمام). وقد أثار هذا الحوار جدلاً في تونس، لما تضمّنه من مواقف اعتبرها بعضهم غريبةً وشاذّةً في مرحلة تمرّ فيها تونس بمنعطف خطير.
أظهر الرجل، في هذا الحوار، شجاعةً واستعداداً للذهاب إلى المدى الأقصى في الدفاع عن رأس النظام، متحدّياً في هذا أغلبية السياسيين، بمَن فيهم بعض رفاقه السابقين. فعل هذا اقتناعاً منه وليس ارتجالاً وعملاً عشوائياً. فهو لم ييأس من إمكانية التأثير وإصلاح المسار الرئاسي.
ينفي المُحاور مطلقاً أن يكون حكم الرئيس قيس سعيّد "دكتاتورياً"، وحجّته أنّ المعارضة تنظّم المسيرات بكلّ أمان، وأنّ الحرّيات "مضمونة في الدستور". وأكّد أنّ تونس "لن تعود إلى الوراء"، وأنّ المعارضة أخطأت الطريق، وانحرفت في الأسلوب والمنهج، وقبلت الاعتماد على الأجنبي، وتحالفت مع أعداء الديمقراطية (يقصد حركة النهضة التي يُحمّلها مسؤولية اغتيالات حصلت). وهو إذ يميّز بين السجناء السياسيين، يستثني منهم الإسلاميين، ويعتقد أنّ الأسلوب الوحيد لإطلاق سراحهم هو العفو الرئاسي، على الرغم من رفض هؤلاء هذه الصيغة المذلّة لهم.
كذلك أقرّ بإمكان دعم الرئيس قيس سعيّد في الانتخابات الرئاسية لعام 2029، وهو ما ترفضه الأغلبية الساحقة من المعارضين، بل حتّى بعض أنصار الرئيس. واعتبر أنّ للرئيس "الحقّ القانوني الكامل في الترشّح لعهدة رئاسية أخرى"، وهو ما أنكره كبار المتخصّصين في القانون الدستوري. لكنّه يشترط أن ينفّذ الرئيس "حزمةً من الإصلاحات الهيكلية والضرورية".
تكمن هذه المبرّرات في أنّ المدافع عنها يؤمن بالديالكتيك الماركسي وبالثورة وبالعداء للإمبريالية. ويؤكّد أنّ الحرّيات ليست أمراً معلّقاً في الهواء، ويجب أن تكون مقترنةً بالعدالة الاجتماعية والصراع الطبقي. والغريب أنّ الفرصة الوحيدة التي توفرت لهذا القيادي ليصبح وزيراً كانت في "العشرية السوداء" وبموافقة حركة النهضة. أمّا بعد ذلك، فلم يُلتفت إليه عند تعيين الحكومات الستّ التي تشكّلت بعد "25 يوليو" (2021)، رغم تأييده الواسع للمسار.
للرجل كامل الحرّية في أن يختار الطريق الذي يريده، وقد سبق أن اختلفنا في التقييم، واعترَف بأنّه لن يتراجع أو يندم على موقف اتّخذه ودافع عنه، فالناس معادن كما قال الرسول الكريم، لكنّ حالته تبقى نموذجيةً في السياق الراهن. هناك من يختار طريقه بوعي وإصرار، ويدافع عنه إلى الآخِر بكلّ قوّة مهما بدا خاطئاً، فيربط مصيره بمصير خياره، إلى أن ينتهي بنهايته. وهو موقف شجاع لا يتّخذه أيٌّ كان، على الرغم من غرابته وافتقاره إلى المنطق. لا يتعلّق الأمر بمثال فردي بقدر ما يتعلّق بمرحلة سياسية وثقافية وصل إليها نظام ومسار.

266D5D6F-83D2-4CAD-BB85-E2BADDBC78E9
صلاح الدين الجورشي

مدير مكتب "العربي الجديد" في تونس