لن يغفر اللبنانيون للمتواطئين

لن يغفر اللبنانيون للمتواطئين

12 سبتمبر 2021
الصورة

في مظاهرة في بيروت لأقارب مرضى بالسرطان تطالب بأدوية (26/8/2021/الأناضول)

+ الخط -

على الرغم من الإعلان عن تشكيل الحكومة اللبنانية الجديدة، لا شيء سيحمل اللبنانيين على الصفح عن الذين تواطأوا على تدمير حياتهم ومستقبلهم، بسبب حسابات شخصية ضيقة وأنانيات وصراعاتٍ لا تنتهي.

من ينظر اليوم إلى المشهد اللبناني العام يهُلْه حجم الخراب الذي حلّ بحياة المواطنين اللبنانيين الذين يستيقظون وينامون على وقع الاقتراب الوشيك من الانهيار الكامل والسقوط في العتمة والفوضى والإفلاس. الشعب اللبناني اليوم هو ضحية منظومة سياسية كاملة، عملت سنواتٍ على نهبه وإفقاره وسلبه فرص الحياة الكريمة. لكنه قبل أي شيء آخر هو ضحية التحالف بين حزب الله والتيار الوطني الحر بزعامة جبران باسيل صهر رئيس الجمهورية ميشال عون وأبرز المرشّحين المحتملين لهذا المنصب، والذي يدفع اللبنانيون اليوم ثمنه غالياً من حياتهم.

الشعب اللبناني اليوم هو ضحية منظومة سياسية كاملة، عملت سنواتٍ على نهبه وإفقاره وسلبه فرص الحياة الكريمة

والسؤال المؤلم: كيف تحوّل تفاهم مار مخايل الموقع في فبراير/ شباط 2006 بين ميشال عون الذي كان يومها زعيماً للتيار الوطني الحر والأمين العام لحزب الله، حسن نصر الله، إلى أداةٍ في يد معسكر رئيس الجمهورية وحزبه، لفرض إرادتهما وأجندتهما السياسية على البلد، والتحكّم بتشكيل الحكومات، أو بالأحرى بتعطيل تشكيلها؟ ولماذا قبل حزب الله باستخدام التفاهم معه غطاءً سياسيا لمآرب شخصية وحزبية ضيقة لزعيم التيار الوطني، وماذا يكسب الحزب من عملية التعطيل الحكومية المستمرة منذ أكثر من عام، في ظل أسوأ انهيار مالي واقتصادي يعيشه اللبنانيون؟ وكيف يمكن لحزبٍ يدّعي أنه "درع" لبنان في وجه العدو الصهيوني أن يرى شعبه ينوء تحت عبء أزمات لا تنتهي، ويحتضر ويصرخ من الألم واليأس، ومن تحكّم المحتكرين بكل شيء، ويبقى ساكتاً من دون أن يحرّك ساكناً للمساهمة في وقف المأساة التي يعيشها اللبنانيون، والتي تتفاقم يوماً بعد يوم؟

لم يعد خافياً على أحد أن رئيس الجمهورية وفريقه يخوضان معركتين ضاريتين: القضاء على اتفاق الطائف، تحت شعار استعادة حقوق المسيحيين وصلاحيات رئيس الجمهورية الماروني التي قلصها الاتفاق. وإيصال جبران باسيل، صهر الرئيس ورئيس التيار الوطني الحر الذي يمثل أكبر كتلة برلمانية إلى سدّة رئاسة الجمهورية.

التحالف بين حزب الله ومعسكر رئيس الجمهورية تحوّل، أخيرا، في ظل الأوضاع الكارثية في البلد إلى أداة تدمير وخراب وتعطيل

ليس واضحاً تماماً موقف حزب الله من هذين الأمرين، ففي مواقفه العلنية لا يعارض الحزب اتفاق الطائف، لكنه في الوقت عينه لا يبدو حريصاً على التمسّك باتفاقٍ جرى التوصل إليه في ظل ظروف سياسية معينة لوضع حد للحرب الأهلية في لبنان وحلّ المليشيات المسلحة، سيما في ظل تغير الواقع الجيوسياسي الحالي مع سيطرة حزب الله ومحور إيران على لبنان. أما موقف حزب الله من المعركة التي يخوضها جبران باسيل للوصول إلى رئاسة الجمهورية فهو أيضاَ يلفّه الغموض، على الرغم من محاولات باسيل إرضاء الحزب، ورهانه الكبير على تأييد المحور الذي تتزعمه إيران.

ولكن إذا كان ثمّة قاسم مشترك يجمع بين حزب الله والتيار الوطني الحر فهو الاتفاق الضمني على إضعاف النفوذ السياسي للزعامات السنية اللبنانية، لأسباب مختلفة لدى الطرفين. بالنسبة إلى التيار الوطني الحر الذي يمثل المسيحيين يمكن أن يدخل ذلك ضمن إطار تحالف الأقليات الذي من خلاله حاول أن يقنع ميشال عون أنصاره أن الخطر الأساسي للوجود المسيحي في لبنان والمشرق هو التنظيمات الجهادية المتشدّدة مثل القاعدة وداعش، ودول سنية متشدّدة ذات تفكير سلفي، مثل السعودية، وأن حماية الوجود المسيحي هو بالتحالف مع المحور الشيعي في المنطقة الذي تقوده إيران، القوة الإقليمية الأكثر تأثيراً ونفوذاُ في المنطقة، لا سيما إذا تمكّنت من الاتفاق مجدّداً مع الولايات المتحدة، وجرت العودة إلى الاتفاق النووي الموقع عام 2015.

من جهة أخرى، حزب الله بحاجة ماسّة إلى حليف مسيحي لبناني قوي يقف إلى جانبه، لا سيما بعد اتهام أحد عناصره باغتيال رئيس الحكومة السابق، رفيق الحريري، عام 2005، وسيطرته على شوارع بيروت بقوة السلاح في مايو/ أيار 2008، ودفاعه عن نظام بشار الأسد ضد المتمرّدين السنة، ودوره في الحرب التي يخوضها الحوثيون في اليمن ضد السعودية.

كيف لحزبٍ يدّعي أنّه "درع" لبنان أن يرى شعبه ينوء تحت عبء أزمات لا تنتهي؟

لكن التحالف بين حزب الله ومعسكر رئيس الجمهورية تحوّل، أخيرا، في ظل الأوضاع الكارثية في البلد إلى أداة تدمير وخراب وتعطيل، لكل محاولة للخروج من النفق المظلم الذي دخل فيه لبنان، إذا لم تتلاءم هذه المحاولة مع رغبات جبران باسيل وتطلعاته. صحيحٌ أنه لا يمكن تحميل باسيل وحده تهمة التعطيل وتأخير الحلول، لأن هناك شبكة شديدة التعقيد من المستفيدين ومن المستغلين، لكن تأخير تشكيل حكومة لبنانية يتحمل جزءاً لا بأس به حزب الله الذي قبل أن يغطي كل المناورات التي لجأ إليها الفريق الحاكم من أجل حصوله على حكومةٍ خاضعةٍ لإرادته تؤمن إجراء انتخابات نيابية يضمن فيها فوزه بالأكثرية، وانتخاب مجلس نيابي يضمن فوز جبران باسيل بالرئاسة.

لن يسامح اللبنانيون كل من تسبّب بمحنتهم وخسارتهم أموالهم ومستقبلهم والحياة الكريمة في وطنهم، وكل من تواطأ مع مسلسل التعطيل الحكومي، وغطى كل الأكاذيب والخطاب الطائفي المقيت. تشكلت الحكومة، لكن أحداً لن ينسى ما حدث، ولن يصدّق أن من يدّعي أنه درع لبنان وقف متفرجاً على تدمير حياة أهله، بسبب تغطيته على خلافات على حصص وزارية وتقاسم مصالح.