لن نعتذر عن لصوصنا

12 ديسمبر 2025

الكاتبة الإيطالية نيكوليتا بورتولوتي (صفحة الكاتبة في فيسبوك)

+ الخط -

تعرّضت الكاتبة الإيطالية، نيكوليتا بورتولوتي، للسرقة في أحد شوارع مراكش، قبل أيام، ما أدّى إلى إصابتها بارتجاج في المخّ، وبرضوض شديدة، إذ دفعها اللّصان اللذان كانا على متن دراجة بعنف، بينما كانا يجذبان حقيبتها. بعد تحسّن وضعها وعودتها إلى بلادها، كتبت بورتولوتي في صفحتها في "فيسبوك"، قصّة الهجوم وما تلاه. قالت إنّ ردّة فعلها الأولى بعد الخروج من المستشفى كانت الرغبة في العودة إلى بلادها، فأسرعت إلى المطار رغم حالتها الصحّية السيئة. وحين فرضت عليها الإجراءات البيروقراطية البقاء في البلاد إلى حين إكمال الإجراءات القانونية لمَن هنَّ في وضعها، اكتشفت أن المغرب بلد جميل وأهله طيّبون، فهم أظهروا حزناً وأسفاً على ما حدث بعد أن شاهدوا الفيديو. وكان على كل الذين التقتهم أن يعتذروا نيابة عن اللصوص، ويثبتوا أن المغاربة أناس صالحون.

في شهادتها تبيّن أننا أناس لطفاء، نبتسم ونسامح بعضنا ونعمل، بل لسنا جميعاً لصوصاً، ولا صعاليكَ أو ذوي سوابق. لا قراصنة بيننا، ولا سحرةَ حقيقيين ولا حفّاري قبور، لا نركب الجِمال أو نقطّع لحوم السيّاح ونرميها للكلاب. بل اكتشفت ما وصفته بـ"شبكة إنسانية مذهلة" أحاطتها بالرعاية والتضامن، من المارة الذين أسعفوها، إلى التجّار وسائقي سيّارات الأجرة، والممرّضات، ورجال الشرطة، وصولاً إلى عائلات عديدة عرضت مساعدتها واستضافتها.

يخطر في ذهن قارئ المنشور أن ما كانت تعرفه السيّدة عن المغرب قد قرأته في رواية "الخيميائي" لباولو كويلو، وفيها سافر فتى الراعي الإسباني سانتياغو بعد بيع غنمه إلى الضفة الجنوبية، لأنه أراد أن يكون "الرّائي" خلف أسرار الكون. في طنجة، تعرّض للسرقة التي كانت نعمة عليه، لأنّها كانت بداية اكتشافه "أسرار الكون"، بعد أن تركته مُعدَماً مُشرَّداً. تبدو هذه الحبكة شبيهةً بأيّ حكاية استشراقية. فالكاتبة، رغم غضبها المُبرَّر، اكتشفت أنّها امرأة متسامحة، لأنّها دعت إلى أن لا يقسو القانون على الشابّين المعتديَيْن، فهما لم يقصدا أذيتها.

 بعد سرقة كل ماله، اضطر سانتياغو إلى العمل للادخار من أجل رحلته، وتعلّم في تلك الفترة أعاجيب كثيرة. ورفضت السفارة الإيطالية السماح بسفر بورتولوتي مباشرةً بعد الحادث، وأغرقتها في إجراءات بروتوكولية جعلتها تلتقي عشرات ومئات من المغاربة، فيما اقتصر تعاملها في اليومَيْن السابقَيْن على رفاق رحلتها.

لو كانت السيدة قادمةً من بلد مثل فرنسا أو ألمانيا، يصعب فيه أن يسرق غير المهاجرين حقيبةً في الشارع، لقلنا: إنّها غير معتادة. لكن إيطاليا فيها نسب فقر معتبرة بين الإيطاليين، والسرقة لا تنحصر بين المهاجرين ذوي الأوضاع الصعبة. وقالت هي نفسها ذلك، فحقيبتها سُرقت قبل أشهر في ميلانو. لا نعايرها باللصوصية، فهي حرفة عالمية، لا أحد مسؤول عنها. وليس عليها أن تعتذر عن لصوصها، كما ليس علينا أن نعتذر عن لصوصنا، رغم أن الكليشيهات وصَمتنا.

أذكر من أيام الصبا المُبكِّرة روايةً من سلسلة عبير، سرق فيها قردُ شال بطلتها حين التقطت معه صورةً في رحلتها إلى المغرب، فعلّقت صديقة لها بأنه "قرد وطني". في نظر نيكوليتا بورتولوتي، ما زلنا هذا البلد الشرقي الذي تراه بعين استشراقية، رغم كل ما تعلّمته عنه في الرحلة، فالسحر موجود في نظرتها إلى الأشياء، ولو مجازاً. إذ تصف طبيب المستشفى بأنه فحصها "بيدين كأنهما يدا ساحر". وفوق ذلك، القطار كان يشبه "قطار الشرق السريع"، و"النساء يمشين في المساء بأمان، يعملن، يقدن الدرّاجات، يلبس بعضهن الحجاب بأناقة". يبدو أنها كانت تتوقّع أنهن يبقين في البيوت، فالزمن عندنا لا يتطوّر. لكنّها اكتشفت في خلاصةٍ نهائيةٍ أن المغرب "بلد متوازنٌ ومتسامح، قريب جدّاً منّا، على الأقل في المدن".

قد تُعذر بأنها ربّما كانت تتوجّه إلى الإيطاليين الذين غضبوا من فيديو الهجوم عليها. ولكن لماذا مدحتنا بعين غربيّة فانتازيّة ظننا أنها تلاشت؟ وإذا لم يشفع لنا ما سبق، فقد شفع لنا البرتقال والنعناع، "ما دمتُ أستطيع رشّ ماء زهر البرتقال على وجهي، فروح المغرب تفوح بزهر البرتقال". شكراً يا زهر البرتقال لأنّك أنقذت سمعتنا.

عائشة بلحاج
عائشة بلحاج
عائشة بلحاج
رئيسة قسم الثقافة في "العربي الجديد"، صحافية وشاعرة مغربية.
عائشة بلحاج