لنواصل تفاؤلنا بالثورات العربية

04 فبراير 2021
الصورة
+ الخط -

لا تخضع الثورات في التاريخ لحسابات المُبادرين بحصولها، ولا تخضع لحسابات القِوى السياسية التي تنتظر حصولها، وهي لا تُرَتَّب دائماً وِفْق خُطط القِوى الإقليمية والدولية. الثورات في التاريخ فعل مُرَكَّب ومُعَقَّد قبل حصوله وبعد حصوله. إنها فعل تحكمه حسابات مختلطة، حيث يُشبه دور الفاعل المُبَادِر، في بعض أوجُهه، فِعْل الفاعل المُلتَحِق بِحَدَثِها، أو فِعْل المُنتظِر جَنْيَ بعض ثمارها، وهذه المعطيات العامة تنطبق في مستويات منها مع ما حصل أمامنا في ثورات الربيع العربي التي نُواصِل إبراز أهميتها، وإبراز أهمية إكمالها روح ما انطلقت من أجله، نقل المجتمعات العربية من دولة الاستبداد إلى دولة القانون والمؤسسات.

كانت الأوضاع العربية في نهاية سنة 2010، أي قبل عقد كامل، قد دخلت نفقاً مظلماً، أطبق الاستبداد آليات ضَبطِه ومُراقبته لمختلف مَسَام الجسم السياسي العربي، وعَمَّ الفساد بجميع أشكاله وألوانه.. شاخت أنظمة عربية كثيرة، من دون أن تتمكّن من بناء تفاعل إيجابي مع التحولات التي ساهمت في صنعها، وأصبحت عاجزةً عن تطوير أدائها السياسي. استنفد الفكر السياسي الإصلاحي مفرداته، ولم تعد شعاراته تحمل الرَّنِين نفسه الذي ظلت تحمله طوال النصف الثاني من القرن الماضي. توقفت النخب عن بناء التصوُّرات والمواقف القادرة على تجاوز الأبواب الصدئة والمغلقة. أما الأحزاب السياسية فقد تحوَّل أغلبها إلى أحزابٍ لا تتجاوز شعاراتها الحدود التي رتَّبتها الدولة المستبدة القائمة، عملاً بمبدأ أنه لا بديل في زمن بناء مجتمعات الاستقلال عن نظام سياسي مُمَاثِل لما هو سائد.

تفاقم الاستبداد والفساد، ولم تستطع الدولة الجديدة في أغلب البلدان العربية لا تحديث المجتمع ولا تحقيق التنمية، ولا بناء مشروع سياسي ديمقراطي يسمح بالتداول على السلطة. استمر الحال على ما هو عليه طوال سنوات النصف الثاني من القرن العشرين. ظلت أغلب المجتمعات العربية تَكْتَوِي بنيران الاستبداد والفساد، إضافة إلى تبعيتها وعدم قدرتها على التخلص من الأساليب التي ظل يمارسها الغرب الاستعماري، على تضاريس السياسة والاقتصاد والثقافة واللغة في مستعمراته القديمة، من دون أن تتمكَّن هذه الأخيرة من إعادة بناء ذاتها، في ضوء تطلُّعات وشعارات الحرية والتحرّر والتقدم.

أصبحنا أمام مستنقعات وحروب بالوكالة، فاختلطت الأمور وازدادت تعقيداً، بفعل عجز الحراك الاجتماعي عن بناء القِوى القادرة على رسم معالم ما بعد إسقاط أنظمة الفساد

نظرنا إلى الثورات العربية في تونس ومصر باعتبارها نتيجة طبيعية لمظاهر الضغط والتسلط السائدين.. واعتبرنا أن كل ما حصل يستجيب للطموحات المرتبطة بالشروط السياسية العامة في البلدين، النظام البوليسي المستبد في تونس، وحكم العسكر في مصر الذي تخلَّى عن شعارات الثورة الناصرية، وبدأ يفكر في التوريث من دون خجل، مثلما حصل في سورية وكان من المنتظر حصوله أيضاً، في ليبيا واليمن وباقي الجمهوريات العربية.. تلاحقت معالم انتفاضات وانفجارات أقطار عربية أخرى، فشملت رياح الثورات والانتفاضات، طوال سنوات العقد الثاني من الألفية الجديدة في خطوة ثانية، المغرب والبحرين والأردن، ثم اليمن وليبيا وسورية. وهكذا تحول العالم العربي، خلال سنوات قليلة، إلى بؤرة مشتعلة من الشباب والنساء والشيوخ، فتحوّل الغليان الثوري في قلبها إلى فِعْلٍ تاريخي مُتعدِّدِ الأبعاد.

ضاقت بعض الأنظمة العربية التي تُمَاثِل أحوالُها أحوالَ المجتمعات المنتفضة، فانخرطت في التصدِّي لكل ما يقع على مرأى ومسمع منها، مستعينةً في ذلك بالقِوى الإقليمية والدولية، المتربصة بدوائر القرار في المشرق والمغرب العربيين وفي الخليج العربي، الأمر الذي نَتَج عنه بروز ثورات مضادّة، قادتها بعض الأنظمة بهدف محاصرة عدوى مواصلة تعميم رياح الثورات.. تصدّت للحراك الاجتماعي المتواصل في الأقطار التي لم تتمكّن من بناء خطوات اللَّاعَوْدة إلى الميادين، بعد إسقاطها رؤوس الأنظمة السياسية السائدة، على شاكلة ما تَمَّ في اليمن وليبيا وسورية، فأصبحنا أمام مستنقعات وحروب بالوكالة، فاختلطت الأمور وازدادت تعقيداً، بفعل عجز الحراك الاجتماعي عن بناء القِوى القادرة على رسم معالم ما بعد إسقاط أنظمة الفساد. وشكَّلت الثورات المضادّة حَجَرَ عَثْرَة أمام إمكانية تصاعد الفعل الثوري في المجتمعات العربية.

لم تستطع الدولة الجديدة في أغلب البلدان العربية، لا تحديث المجتمع ولا تحقيق التنمية، ولا بناء مشروع سياسي ديمقراطي

تواصلت الثورات على الرغم من العثرات والاختناقات الحاصلة في كل من اليمن وليبيا وسورية، تواصلت بعد ذلك، في السودان والجزائر ولبنان، وبعد ما يقرب من عشر سنوات على اشتعال شراراتها الأولى، ما تزال حاجتنا إليها قائمة، فالأحوال السياسية العربية اليوم تدعو إلى ضرورة استئناف الحراك الاجتماعي الثوري، في ضوء دروس وتجارب الصيغة الأولى للربيع العربي.. وهناك علاماتٌ كثيرة تشير إلى تردِّي الأوضاع العربية، من قَبِيل العربدة الإسرائيلية المدعومة بالخيارات الصهيونية والعنصرية التي ترى في الراهن العربي الفرصة المناسبة لمزيد من توسيع سياساتها، في الاستيطان والضَّم، وفي مزيد من اختراق الجغرافية العربية من المحيط إلى الخليج.

ازدادت درجات العنف والغطرسة الصهيونية بسبب الوضع الفلسطيني العام، وبحكم الآثار المترتِّبة على الأزمة الصحية العالمية، وكذلك بفعل احتدام التنافس الدولي والإقليمي على العالم العربي، وعدم قدرة الأنظمة العربية على وَقْف حالة الذهول التي جعلتها لا تنتبه إلى ما يجري أمامها.. فأصبحنا اليوم أمام منحدرٍ بلا قرار.. مُنحدَرٍ يغلي بالاحتجاجات المخنوقة والمختنقة والمؤجلة، تحت ضغط إكراهات كل ما أشرنا إليه. أما الاحتجاجات الناشئة اليوم مجدّداً، في بعض بلدان الثورات العربية، من قَبِيل ما يقع اليوم بصورة متقطعة في تونس ومصر والمغرب، فإنها تدعونا، مرة أخرى، إلى استئناف الفعل الثوري، أي إلى مزيدٍ من العمل المناهض والمقاوم للسياسات الجارية، حيث يتم التخلي عن كثير من الطموحات التاريخية العربية، وحيث يصبح التطبيع عنواناً لصفقاتٍ لا علاقة لها بالمشروع التحرّري الفلسطيني والعربي، وذلك تحت تأثير الأوضاع التي ذكرنا بعضَها.. فهل يستعيد الفعل الثوري العربي مَضَاءَه مجدّداً لمواجهة حالة الذهول القائمة؟