لنستعدّ للموجة الديمقراطية القادمة

26 نوفمبر 2025
+ الخط -

تدفع الأوضاع الصعبة التي تمرّ بها الدول العربية إلى التشاؤم من الوصول إلى تجربة ديمقراطية مُعتبرة. ولا ينطبق هذا الواقع على دولة دون أخرى، سواء التي شهدت ثورات الربيع العربي، أو التي لم تشهد مثلها. فقد فشلت تلك الثورات في إنجاز مهامها في الديمقراطية والعدالة، وفي البلدان التي حلمت بالحريات من خلال ثوراتها المُذهلة، فأنتجت واقعاً بالضدّ من الأحلام الكبيرة التي حلمت بها الجموع الثائرة. فالأوضاع في كلّ من اليمن وليبيا في غاية الصعوبة، أمّا حالة تونس التي أطلقت الربيع العربي، فقد تآكلت، وعادت البلاد مع الرئيس قيس سعيّد إلى استبداد أسوأ من الذي أطاحته الثورة. ومصر صاحبة الثورة الجميلة في 25 يناير، تراجعت فيها الحرّيات عن المرحلة السابقة للثورة.

أمّا الحالة السورية، وبعد الدمار الهائل 14 عاماً، سقط النظام المجرم، والبديل الذي جاء عبر السلطة الانتقالية الجديدة، والتي استأثرت بالسلطة لأعضاء هيئة تحرير الشام، وتعاملت معها بوصفها غنيمة حرب، وهو ما يدل على المستقبل الذي ينتظر البلد، في ظلّ سلطة تتجنّب استخدام مصطلح الديمقراطية، وتتعامل معها بوصفها مرضاً خطيراً غير مرغوب، أما غيرها من البلدان العربية فحدّث ولا حرج.

كلّ هذه الأوضاع الصعبة تجعل أيّ تحليل مُتشائماً، وكأنّ دول المنطقة سقطت في حفرة خارج التاريخ لا يمكن الخروج منها، وأنّ المقولات الأساسية للحياة السياسية الحديثة لا تناسب العالم العربي. ما يجعل الإجابة على سؤال الديمقراطية في المنطقة واضحة، وهي النفي.

تترافق هذه الأوضاع الصعبة في الدول العربية مع تراجع الديمقراطية على الصعيد العالمي، الذي يشهد مدّاً شعبوياً مُعادياً للديمقراطية، يبدأ من الولايات المتحدة في ظلّ ولاية الرئيس ترامب، ولا تنتهي في عديد من الدول الأوروبية التي وصل فيها اليمين المتطرّف إلى السلطة، وفي التي لم يصل فيها إلى السلطة، أصبح قوة كبيرة لا يمكن تجاوزها. وبدأت إدارة ترامب عهدها الجديد، بإلغاء وكالة التنمية الأميركية التي كانت تعمل على مساعدة دول كثيرة فقيرة في قضايا أساسية، ووقف كلّ المساعدات، تحت شعار أولوية الداخل الأميركي، والحرب على اللاجئين والفئات الأضعف في المجتمع الأميركي. والمسألة الأخرى التي بشّرت بها مديرة الاستخبارات الأميركية، تولسي جابيرد، المنطقة، والذي يتعلّق بموضوع هذا المقال، وهو قولها، في المنامة قبل أسابيع، إنّ الولايات المتحدة، لم تعد ترى في الديمقراطية ولا حقوق الانسان أساساً لسياساتها في المنطقة.

هذه السياسة مُناقضة للسياسات الأميركية التي اشتقتها الولايات المتحدة بعد كارثة أحداث 11 سبتمبر (2001)، أنّ المنطقة تحتاج الديمقراطية، حلّاً لمشكلاتها ولأمن الولايات المتحدة، لكن هذه الديمقراطية لم ترها ألأخيرة إلّا عبر دبابتها، بعد أن دعمت عقوداً أسوأ الأنظمة الديكتاتورية في المنطقة وأكثرها دموية. وظهر مطلب الإصلاحات الديمقراطية الأميركي في المنطقة وكأنّه جبّ التاريخ السابق للمنطقة، إذ يبدأ التاريخ من اليوم الذي شغلت الولايات المتحدة نفسها بحلّ مشكلات العالم العربي وكأنه قضية داخلية أميركية.

الديمقراطية تبقى مطلباً مُحقّاً ومشروعاً طالما أنّها الآلية الأفضل لحلّ الصراعات والنزاعات داخل المجتمع

مفارقة أخرى أفرزها الوضع بعد أحداث "11 سبتمبر"، وهي علاقة النخبة العربية بقضية الديمقراطية بعد المطلب الأميركي بالإصلاح من الأنظمة العربية، إذ انقسم المثقفون العرب، بين من أعاد النظر بوجهة نظره في قضية الديمقراطية ليتراجع عن تأييدها لأنها باتت مطلباً أميركياً، وباتت تشكّل عنواناً للعمالة، وأنّ الأنظمة العربية حتى بنماذجها الأسوأ أفضل من الاحتلال، ومن فقد الثقة بإمكانية امتلاك المجتمعات العربية قدرة على التغيير الداخلي، ما جعله يعتبر أنّ الأنظمة الاستبدادية العربية أقوى من أن يجري التأثير عليها داخلياً. ويبدو من وجهة نظر هؤلاء أنّ الأنظمة الاستبدادية التي عاشت عشرات السنوات في المنطقة من دون أن تتعرّض لخطر داخلي حقيقي لا يمكن التأثير عليها وإسقاطها إلّا بمساعدة خارجية. وجاءت تجربة الديمقراطية الأميركية في الحرب على العراق، عبر إطاحة نظام صدّام حسين، وبناء نظام طائفي هشّ اندفع في حرب أهلية طاحنة، فكانت التجربة الجديدة لا تقلّ سوءاً عن الفترة التي دعمت فيها الولايات المتحدة الأنظمة الديكتاتورية.

يمكن القول إنّ حالة التدخل الأميركي لصناعة ديمقراطية مستوردة فشلت، وإنّ الثورات العربية التي حملت شعارات عن الديمقراطية والحرّيات، من دون أن تملك قوى سياسية حاملة لها، ومن دون برامج ومشاريع ديمقراطية تجيب على الأسئلة الأكثر إلحاحاً في هذه البلدان، قد فشلت أيضاً.

هل هذا يعني أنّ الديمقراطية يجب رفعها من دائرة التداول بوصفها أفضل أداة ممكنة لحلّ مشكلات الدول العربية؟... رغم كلّ هذه المصاعب، يجب إعادة قضية الديمقراطية والحرّيات إلى سياقها وموقعها الطبيعي والصحيح على الأجندة الوطنية لكلّ القوى المُنادية بها، من دون إغفال تعقيدات الواقع الخاص لكلّ دولة، والعمل على تحويلها لواقع قائم.

الديمقراطية اليوم مهدّدة في العالم، في الدول المتقدمة قبل غيرها، وممتنعة عن التحقق في بلداننا

لا تبشّر التجربة الحديثة والمعاصرة بقضية الديمقراطية بالتفاؤل، لأنّ القوى السياسية المُنادية بالديمقراطية تنظيمياً وشعبياً ضعيفة، وتفتقد مشاريع سياسية يُفترض أنها حامل للخيار الديمقراطي، والربط بين هذا المشروع ومصالح الناس. رغم كلّ هذه الصعوبات وغيرها، ما تزال الديمقراطية ضرورية بالنسبة للمجتمعات العربية، من خلالها يستطيع المجتمع تحديد خياراته المُستقبلية، عبر إشراك المواطنين في عملية اتخاذ القرار بطريقة أكثر جدوى من الاستبعاد السياسي، فالديمقراطية تبقى مطلباً مُحقّاً ومشروعاً طالما أنّها الآلية الأفضل لحلّ الصراعات والنزاعات داخل المجتمع، وعدم تحقّقها لا يعني أنها لا تصلح لحلّ مشكلة هذه المجتمعات، كما يدّعي بعضهم.

اليوم، الديمقراطية مُهدّدة في العالم، في الدول المتقدّمة قبل غيرها، وممتنعة عن التحقق في بلداننا، ولا شك في أنّ الدفاع عن الديمقراطية في مواجهة استبداد قادم عن طريق الانتخابات كحالة الولايات المتحدة مع الرئيس ترامب، أو استبداد قادم عبر الدبابة، أو حالات الفوضى والاستبداد الجديد التي تعيشها بعض البلدان، يجعل هذا كله المعركة الديمقراطية محلية وعالمية، تغذّي بعضها بعضاً، وعلى طلاب الديمقراطية أن يكونوا فاعلين في ساحات بلدانهم، لأنّ واقع الحال العالمي لا يمكن أن يدوم، مع هذا الصلف والظلم وانتهاك حقوق الإنسان، في داخل البلدان وخارجها. لا بدّ أن ينتج هذا كله موجة جديدة من الديمقراطية في العالم كلّه، ستكون هناك بلدان جاهزة لها، وأخرى ستفشل. وعلى القوى الديمقراطية أن تعمل في كلّ مكان لجعل هذه الموجة حقيقية وقريبة، ولأننا من هذا العالم، علينا أن نخوض معركتنا، لو كانت خاسرة أو مستحيلة، فلنستعر شعار ثورة 1968 في فرنسا ونقول: "لنكن واقعيين ونطلب المستحيل".

D06B868A-D0B2-40CB-9555-7F076DA770A5
سمير الزبن

كاتب وروائي فلسطيني، من كتبه "النظام العربي ـ ماضيه، حاضره، مستقبله"، "تحولات التجربة الفلسطينية"، "واقع الفلسطينيين في سورية" ، "قبر بلا جثة" (رواية). نشر مقالات ودراسات عديدة في الدوريات والصحف العربية.