لماذا لا تعشق وأنت بصحة جيدة؟

لماذا لا تعشق وأنت بصحة جيدة؟

23 يناير 2022

(غوستاف كليمت)

+ الخط -

قبل اختراع الهاتف المحمول (الموبايل) المزوّد بكاميرا قادرة على تصوير مقاطع فيديو، كانت تفوتنا أشياء جميلة تحدُث في زمانٍ ما، ومكان ما، ثم تمضي وتتلاشى لعدم وجود كاميرات تلفزيونية في متناول الحاضرين. أضرب مثلاً بفيديو مصوّر بكاميرا "الموبايل"، تتداوله مواقع التواصل منذ أيام، فيه مجموعة من الرجال والنساء المجتمعين في منزل أحدهم، يغنّون ارتجالاً، من دون مرافقة آلات موسيقية، ولا حتى إيقاع. أصواتهم ليست جميلة وحسب، بل خارقة. دفعني الفضول إلى أن أعرف أسماءهم، وبالبحث وجدتُ أنّ أحدهم تنزاني، الشيخ يحيى بيهاكي حسين، وإحداهم اسمها سهيلة بهجت، بالإضافة إلى شيخ فاقد البصر، ورجل ذي قبعة طرازها أوروبي، وهو الذي بدأ يغني مقطعاً من قصيدة أحمد شوقي التي لحّنها وغناها الهرم الرابع محمد عبد الوهاب (وغنّاها عادل مأمون) "مُضناك جفاه مرقدُه" وصار الحاضرون يتناوبون على أداء المقطع الأخير منها بطريقة "السلطنة" أي عندما يسرح المغنّي في الطرب حتى يبلغ ذرى عالية من الحب، والوجد، والتحليق.

شاهدت المقطع أكثر من مرّة، ولعلّ تكرار المشاهدة جعلني أفكر في قول شوقي: مولايَ وروحي في يده/ قد ضيعها سلمت يَدُهُ.. وتساءلت: ألا يتضمّن التعبير عن الحب هنا مبالغةً تصل إلى حدود الامّحاء والعدمية؟ يعني، أنا أحب حبيبي، وأضع روحي في يده، ولكن هل يعقل أن أشكره لأنه أضاعها؟ من هنا، تسللتْ إلى ساحة تفكيري أسئلةٌ كثيرة تتعلق بالطريقة التي صيغت فيها نسبةٌ لا يستهان بها من أشعار الأغاني العربية. المذهل في تلك الأشعار أنه قلما يبقى العاشقان (كلاهما) على قيد الحياة، يتبادلان الحب على نحو طبيعي، ومتكافئ، بل يجب أن يموت أحدهما في سبيل الآخر، عامداً، متعمّداً، منتحراً... وهذا تجده ضمن مستويات متعدّدة، ابتداء من الأغاني الشعبية التي يقول فيها الحبيب لحبيبته "ومن الشباك لأرمي لِكْ حالي". ولعل أول ما يخطر بالبال أنْ يكون الشباكُ عالياً، فينزل العاشق الولهان على الأرض جثة هامدة. مروراً بأغنية صباح فخري "يا حادي العيس في ترحالك الأَجَلُ"، يعني إذا رحلت الصبية ضمن قافلة من "العيس" فإن عاشقها يموت.. ولعلّ أكثر ما يعبّر عن هذا الامّحاء قصيدة بشارة الخوري (الأخطل الصغير)، التي لحّنها وغنّاها موسيقار الأزمان فريد الأطرش وتبدأ بعبارة: عش أنتً، إني متُّ بعدك.

تجنح بعض الأغاني العربية نحو العنف، من دون إرادةٍ من مؤلفها، بل لعلّ القافية هي التي تغريه باستخدامها، كالأغنية الفولكلورية الشامية: "يابو عيون اللويزي/ تجرح بحدّ قزيزي"... وثمّة "عيون" لا تكتفي بالجَرح، بل وتقتل، فموفق بهجت يغني: "ما قتلتني إلا العين الكحلاوية"، ووديع الصافي: "قتلوني عيونا السود"، وهناك مقطع من أغنية "يا ويل حالي" يقول فيه المطرب "ما قتلني غير أبو المَشْلح/ يا دهب يلطم على المَدبح". وثمّة أغنيات تحكي عن الاشتباك بين العشاق، أو بسبب العشاق، كالأغنية التي تغنيها فيروز وصباح فخري، كلّ بأسلوبه: "تحت هودجها وتعالجنا، صار سحب سيوف يا ويل حالي". وهناك أغنية فولكلورية أردنية تؤدّيها سميرة توفيق "يا المرتكي ع السيف سيفك جرحني". وأما قصيدة "يا من حوى ورد الرياض بقدّه"، المنسوبة لشاعر أندلسي يلقب "ابن اللبانة" ففيها معنيان خطيران جداً يبيح أحدُهما القتلَ، والثاني العبودية: "إن شئت تقتلني فأنت محكمٌ، من ذا يطالبُ سيداً في عبدهِ؟".

الاعتراض الأساسي الذي لا بد أن يواجه هذه الأسئلة والتداعيات أن هذا يحصل باسم الحب. صحيحٌ من حيث المبدأ، لكنّه يتعارض، في الحقيقة، مع الحبّ الطبيعي، المتكافئ، ويحيلنا إلى ظاهرة الوقوف على أطلال الحبيبة في الشعر الجاهلي التي سخر منها الشاعر المجدّد أبو نواس ببيت شعر لا يمكن أن يُنسى:

قل لمن يبكي على رسم درس/ واقفاً ما ضَرَّ لو كان جلس؟