لماذا لا ترد إيران؟

08 ديسمبر 2020
الصورة
+ الخط -

ليس السؤال في العنوان أعلاه وليد اللحظة الإيرانية الراهنة، الناشئة عن واقعة اغتيال العالم النووي، محسن فخري زادة. ولم يقتحم فضاء النقاش الساخن هكذا فجأة، جرّاء ما تكشّف عن الواقعة من ترهل ذاتي وهشاشة أمنية. وإنما كان سؤالاً قديماً، ظل بلا جوابِ شافٍ طوال سنوات طويلة ماضية، تلقت طهران، في غضونها، سلسلة من الضربات النوعية القاتلة، سواء في عقر دارها أو في مجالها الحيوي، من دون أن يبادر نظام الولي الفقيه إلى ترجمة تهديداته بالرد المزلزل إلى أفعال، سيما في العام 2020 الذي بدأ بتصفية قاسم سليماني ولم ينته بعد بمقتل زادة.
تذرّعت إيران، في هذه المرّة، بحجةٍ وجيهة، أساسها الاعتصام بالحكمة، والامتناع عن الوقوع في فخٍّ مُحكم التوقيت، نصبه نتنياهو وترامب معاً، عشية التبدّل الذي طال انتظارُه في الإدارة الأميركية، وتضرّع آيات الله إلى السماء لتحقيقه، غير أن أصحاب المشروع الإمبراطوري كانوا، في المرّات السابقة، يُسخّفون هذا المسوّغ المنطقي بالجملة، ويحرصون، في الوقت ذاته، على تجنّب المواجهة، سواء بإنكار التعرّض لأي ضربة، أو نفي كل خسارة، تماماً على نحو ما ظلّ يحدث في سورية منذ أعوام، أو ما كان يقع في إيران ذاتها من استهدافاتٍ طاولت علماء ومراكز شديدة الحساسية، مثل مفاعل نطنز والأرشيف النووي.
على قاعدة أن صحن الانتقام يؤكل ساخناً، تطايرت التهديدات الإيرانية مجلجلةً بالثأر لدم كبير علماء البرنامج النووي، والقصاص بلا شفقةٍ من مرتكبي هذه الفعلة "الجبانة". وعليه، ذهبت تحليلات سائر المراقبين إلى الإجابة عن أسئلة الرد الإيراني المرتقب وكأنه مفروغ منه، حيث تباينت التقديرات حول متى وكيف وأين ستقع الواقعة الانتقامية، إلا أن أحداً لم يطرح السؤال الأكثر أهمية: هل فاضت كأس المرارة المعتقة لدى الملالي بعد هذه الضربة المهينة للكبرياء القومية، وبالتالي لم يعد في وسع ذوي الرؤوس الحامية التمسّك بالصبر الاستراتيجي بعد اليوم؟
يسود لدى الإيرانيين الذين يتفصّدون عرقاً ويتصبّبون غضباً، في هذه الآونة، شعور مفعم بالألم، وحسٌّ ثقيل بالعجز، جرّاء هذا الخرق الفاضح، والمتكرّر، لقدس أقداس القلعة التي يبدو أنها ليست سوى سقيفة متداعية، سيما بعد أن عجز القابضون على مفاتيح أربع عواصم عربية عن الرد "المزلزل"، سواء في مفتتح هذه السنة، حين تلقوا رصاصةً في القلب، باغتيال الجنرال سليماني، وحصدوا في مختتمها رصاصة أخرى في الرأس، بتصفية زادة في عرينه، فضلاً عما وقع بين هاتين الضربتين من عملياتٍ مثيرة، بيّنت لكل ذي لبٍّ أن أعمدة النظام الإيراني متداعية، وأنه يعيش في حالة عماء مطبقة.
وفق هذه المقاربة الحذرة، يصبح السؤال في العنوان أعلاه "لماذا لا تردّ إيران" على الضربات المتواصلة ضدّها، ولماذا لا تنتقم لنفسها بنفسها، وتحفظ ماء وجهها، سؤالاً في محله. كما يغدو الاستنتاج القابل للنقاش، عن عجز الجمهورية الإسلامية المنهكة بالحصار والعقوبات والوباء على الرد، له ما يبرّره، الأمر الذي تعزّز، بالأدلة، فرضية أن إيران لا تمتلك القدرة على إيلام عدوها مِثلاً بمثل، وأنها تخشى من الرد على الرد أكثر من فعل الرد نفسه، وترجّح مبدأ حفظ دمها على حفظ ماء وجهها، وتجد في خطاب المبالغات والتهويل مخرَجاً لها من الحرج.
ولعل السوابق العديدة تؤكد حقيقة أن ايران تخاف من الثأر لنفسها، أو رد الاعتبار لصورتها، لهيبتها، وتتجنّب كسر قواعد اللعبة، حتى لا تخرج الأمور عن السيطرة. وفي المرّات النادرة التي جازف الحرس الثوري بالمواجهة، كانت الحصيلة بائسة، نماماً على نحو ردّها على مقتل سليماني، حيث أطلقت، دفعة صاروخية لم تقتل أميركياً واحداً، إلا أنها أسقطت، تحت مشاعر الذعر، طائرة مدنية في محيط مطار طهران. وذات مرّة عام 2018 أطلقت من الأراضي السورية 30 صاروخاً على إسرائيل، معظمها سقط في سورية، أربعة منها في الجولان، والبقية في جنوب لبنان وفي شمال الأردن.
بمقتل فخري زادة في عاصمة التطرّف المذهبي، وفي رابعة النهار، تكون طهران قد فقدت عالماً يمكن وصفه بأنه المرشد الأعلى للمشروع النووي الإيراني، وفقدت معه هيبتها وقوة ردعها، وصدقية تهديداتها بضرب حيفا مثلاً، الأمر الذي قد يغوي إسرائيل بمعاودة الكرّة بقوة أكبر، خلال الأسابيع الستة المتبقية لرئاسة ترامب في البيت الأبيض.