لماذا عقد اجتماعي عربي جديد؟

لماذا عقد اجتماعي عربي جديد؟

02 مايو 2021
الصورة
+ الخط -

ثمّة مشكلة كبيرة، إذا لم يستطع السياسيون والمثقفون العرب ملاحظة حالة الانهيار العام التي تمرّ بها المجتمعات العربية قاطبة، ولا أقصد فقط سياسياً، بل ثقافياً ومجتمعياً واقتصادياً، فهنالك أزمةٌ تاريخيةٌ عميقةٌ وجارفة، تستدعي تصوّراً يتجاوز جدليات السلطة والمعارضة والنقاشات اليومية إلى التفكير بـ"حلول تاريخية".

صحيحٌ أنّ الاستبداد والقمع هما بيت الداء، لكن المرض وصل إلى مرحلةٍ متطورةٍ وخطيرة، وإذا التفتنا يميناً ويساراً نجد أوبئة أشد فتكاً من فيروس كورونا تضرب مجتمعاتنا، وأخطرها ما نراه من حالة تفكّك داخلي مجتمعي وثقافي تجعل من الدولة الوطنية (كانت تعتبر مرفوضة من المثقفين وقوى سياسية عريضة) هي نفسها في مهبّ الريح، بما أصاب الهوية الوطنية الجامعة ذاتها في أغلب الدول العربية.

يتجاوز التفكّك الحالة الطائفية التي تجتاح المشرق العربي، وتفكّك الدول، ويفتح الباب على مصراعيه للقوى الإقليمية، إلى الصراعات الداخلية على أسسٍ جهوية وأيديولوجية، ليصبح موضوع الاتهام والتخوين والتكفير واستباحة الدماء والتعذيب أمراً عادياً مستساغاً، في مواجهة الآخر. وهو في هذه الحالة غالباً ما يكون مواطناً يخالف الآخرين الرأي أو المذهب أو الخلفية الاجتماعية.

ويصيب التفكّك، أيضاً، المنظومة الأخلاقية والثقافية، فالتربية التقليدية التي كانت تقوم على أسسٍ تراتبيةٍ وهرمية تخلخلت وتراجعت مع ثورة الاتصال والإعلام التي وفّرت مساحة واسعة من الحرية والتحرّر في المواقف والآراء، وقلبت المجال العام رأساً على عقب، لكن ذلك لم يترافق مع ترسيم تصوراتٍ حضاريةٍ ومجتمعية، للتعامل مع الأبعاد الأخرى لها، ولم تنبن قدرات جديدة في مناهج التربية، ولا لدى الأسر لحماية الأبناء والأجيال الجديدة من الانفلات الكبير، حتى على الصعيد الأخلاقي.

وربما الإشارة العابرة مهمة هنا إلى كتاب "التأثير السيبراني: كيف يغير الإنترنت سلوك البشر" للمتخصصة في علم النفس، ماري آيكن، لما فيه من إشاراتٍ مرعبةٍ بشأن تأثير "النت" على مجال الجرائم والسلوك والأخلاق والتربية، بخاصة على الصغار والمراهقين.

في أغلب الدول العربية، هنالك تفشٍّ لشعور الحرمان الاجتماعي والفجوة الطبقية وغياب العدالة الاجتماعية، وأغلب الأنظمة العربية والنخب الحاكمة موسومةٌ بالفساد في المخيال الشعبي، فيما لا تبدو أي مؤشّرات مطمئنة على تجارب تنموية ناجحة (اترك بعض أرقام النمو الاقتصادي الخادعة هنا وهناك)، بالتوازي مع ارتفاع كبير في مديونية دول عديدة، ومعدلات الفقر والبطالة التي وصلت إلى خطوط خطيرة جداً، وستتجاوز ذلك مع تداعيات وباء كورونا الاقتصادية والمالية!

نحن، إذاً، في سياق تاريخي خطير، والمجتمعات والدول العربية عموماً تشترك في السمات السابقة، حتى وإن كانت تختلف نسبياً وجزئياً، ما يعني أنّ المرحلة التاريخية التي تشكّلت فيها الحالة العربية المعاصرة، من أنظمةٍ وثقافاتٍ ومؤسساتٍ وسياسات، بعد الحرب العالمية الأولى، وصولاً إلى لحظة الربيع العربي، في مرحلة أفول، من دون وجود مشروعاتٍ متكاملةٍ لحماية المجتمعات والدول، والمواطنين والتأسيس لتصوراتٍ مستقبليةٍ في مواجهة الأمراض القاتلة الراهنة.

بالضرورة، الديمقراطية هي الحل، لكنّها ليست عصا سحرية، ولا يوجد مجتمعٌ انتقل فجأة إلى هذا المسار. وفي تشخيص الحالة العربية وما أصابها، المطلوب مشروع حضاري وأخلاقي وثقافي مستقبلي، يتوافق عليه المثقفون والسياسيون، حتى في الأوساط السياسية والقوى المختلفة، تمهيداً أو توازياً مع التحول نحو مسارات ديمقراطية.

العقد الاجتماعي الجديد يعني أنّ القواعد غير المكتوبة التي تمثّل الديناميات والسياسات والنظريات والثقافات الحاكمة انتهت، ونحن بحاجةٍ إلى منظورٍ جديد، يقوم على أسس واضحة تمنع التفكك والانهيار، وتزاوج بين السياسي والثقافي والاقتصادي والمجتمعي. وتوافق على مبدأ المواطنة بوصفه أسّ العلاقة بين الدولة والمواطن، وعلى أسس دولة القانون وقيمها، وعلى تجريم التعذيب والقمع وخطاب الكراهية، ونبذ الخطاب الطائفي والتخوين المتبادل، وعلى احترام الإنسان بوصفه إنساناً كقيمة تعطي حياته وكرامته قدسية، وعلى أنظمة اقتصادية متوازنة، تدعم الطبقة الوسطى، وتخفّف من حدّة الفجوة الطبقية، وحكومات مساءلة أمام الشعوب واحترام لاستقلالية السلطات، والعمل على تطوير أسس التربية والتعليم، والتأكيد على حرمة المال العام... إلخ.

هذه القيم والمفاهيم والأسس من المفترض أن تمثّل الأرض المشتركة لنا جميعاً، أو في الحدّ الأدنى للقوى المعتدلة والإصلاحية، لأنّها سياج الحماية في مجتمعاتٍ تمزّقها الحروب الداخلية والأزمات، وأصبحت أكبر المناطق المصدّرة للمهاجرين والمهجّرين.