لماذا الكاظمي؟

لماذا الكاظمي؟

12 نوفمبر 2021
+ الخط -

كان مراداً لها أن تكون عملية "نظيفة" تقضي على رئيس الحكومة العراقية، مصطفى الكاظمي، وتنهي مسيرته الإصلاحية، العراقية الخالصة. عملية اغتيال من الجو لا تترك أية آثار ودلائل للجريمة، ولا بصمات لمرتكبيها. يبدو أن منفذيها حاولوا الاستفادة من عملية اغتيال رئيس حكومة لبنان الأسبق، رفيق الحريري، فاختاروا الجو بدل الأرض، لأنه من شبه المستحيل الدخول إلى المنطقة الخضراء حيث منزله، والطائرات المسيّرة بدل السيارات، والصواريخ بدل المواد المتفجّرة، والأهم عدم الحاجة إلى فريق بشري منفذ، من شأنه أن يستهلك وقتا في التخطيط والرصد والتنفيذ، ثم يقود اكتشافه إلى خيوط الجريمة ومن يقف وراءها. كما أن الإعداد والتنفيذ كانا أسهل على الأرجح، لأن الكاظمي استهدف في منزله، إلا أن العملية فشلت! كان اغتيال الكاظمي سيُحدث زلزالا، ويعيد خلط الأوراق عراقيا وإقليميا، عشية تطورات وحسابات واستحقاقات متداخلة ومتشابكة إقليميا ودوليا، تبدأ بالسلطة في بغداد والنفوذ الإيراني فيها، ولا تنتهي في مفاوضات فيينا، مرورا في دمشق وبيروت وصنعاء.

لماذا الكاظمي؟ جاء إلى السلطة من جهاز الاستخبارات، بعيدا عن الأحزاب والتيارات التي كانت تتصارع وتتنازع على السلطة، وتنهش في الجسم العراقي، وتستنزف موارده وطاقاته منذ نحو ثلاثة عقود، ومعظمها يدين بالولاء لملالي طهران. سعى إلى تركيب سلطة متحرّرة قدر الإمكان من نفوذ إيران ووصايتها وأدواتها التي باتت معشعشة في مفاصل السلطة وإداراتها، ومن نفوذ مليشيات "الحشد الشعبي" التي أريد لها أن تكون بديلا أو موازية للقوات المسلحة. في المقابل، عمل على طمأنة الداخل والجوار، بالتفاهم مع الولايات المتحدة، على انسحابٍ متدرّج وشبه كامل لقواتها من العراق، ثم اتبع عربيا سياسة انفتاح وحسن جوار مع الجميع، وبالأخص مع المملكة السعودية، وتمكّن من إعادة وضع العراق على الخريطة الإقليمية، بتنظيم مؤتمر دولي في بغداد، حول الأمن والاستقرار في المنطقة شاركت فيه إيران. كما أنه أظهر جرأةً في مكافحة الفساد، وشجاعة وتصميما في محاربة الإرهاب والتنظيمات الإرهابية "الداعشية"، وشبكات الداخل التي تحدّته في الأشهر الأولى لحكومته، باغتيال هشام الهاشمي، المقرّب منه والباحث في شؤون الجماعات المتطرّفة. والأهم والأكثر تحدّيا أنه تمكّن من تنظيم انتخابات حرّة ونزيهة، كشفت مدى ضعف شعبية التيارات الشيعية التي تدين بالولاء لإيران، وربما هذه هي خطيئته الكبرى التي لن تغفر له، والتي يتعرض بسببها إلى حملة شعواء، وإلى محاصرة المنطقة الخضراء من التيارات الإيرانية الولاء، حيث توجد كل المقرّات الرسمية والحكومية والسفارات الأجنبية، وبالأخص السفارة الأميركية، رفضا لنتائج الانتخابات، على غرار ما فعله حزب الله اللبناني سنة ونصف السنة بين عامي 2006 و2008، رفضا لإنشاء محكمة دولية خاصة بلبنان، للتحقيق في جريمة اغتيال رفيق الحريري، ومن أجل إجبار الحكومة اللبنانية يومها على الاستقالة.

تمكّن الكاظمي من إعادة وضع العراق على الخريطة الإقليمية، بتنظيم مؤتمر دولي في بغداد، حول الأمن والاستقرار في المنطقة شاركت فيه إيران

لا يعتقد الكاتب أن من حاول اغتيال الكاظمي هم مجموعة مغامرين عبثيين يتلهون بالطائرات المسيّرة، علما أنه تم استخدام ثلاث طائرات، وعدد غير قليل من الصواريخ. العراق الذي بدأ يستعيد عافيته وموقعه هو بمثابة الرئة التي تتنفس منها إيران، وخصوصا في هذه المرحلة التي تحاصرها العقوبات الأميركية من كل صوب، وفي مختلف المجالات، ما يؤمّن لها حاليا المنفذ والمعبر الوحيد على الخارج، بما يوازي 50 مليار دولار في السنة. وكانت إيران قد تمكّنت، في الأساس، من الإمساك بالساحة العراقية، بفضل التواطؤ الأميركي الذي حصل تدريجيا منذ إسقاط صدّام حسين عام 2005، وانطلقت بعدها عملية نهب خيرات العراق وموارده الطبيعية والنفطية، واستخدام إيران موقعه الجيو - استراتيجي منطلقا للتوسع والسيطرة شرقا نحو البحر المتوسط، تمدّدا باتجاه سورية ولبنان وفلسطين، فكان التدخل العسكري دعما وإنقاذا للنظام الأسدي من الانهيار، مقابل استعمال لبنان قاعدة خلفية ينطلق منها ذراعه العسكري، حزب الله، لمساندة كتائب النظام السوري. لذلك كان غرض طهران الرئيسي خلال السنوات الأخيرة شق خط بري استراتيجي، يمتد من طهران ليصل إلى بيروت عبر بغداد ودمشق، ما جعل من معبر التنف على الحدود العراقية - السورية نقطة تقاطع ووصل استراتيجية في مشروع التوسع الايراني. وبالتالي، نقطة تنازع مفصلية لمواجهة هذه الخطة من الولايات المتحدة التي أقامت قاعدة عسكرية لها هناك، لصد هذا المخطط نحو شمال شرق سورية ولبنان. كما أن ما راهنت عليه السلطة في إيران من تعاط مختلف، وربما أكثر ليونة من الإدارة الأميركية الجديدة، بعد ما أذاقها الرئيس السابق، دونالد ترامب، الأمرّين، لم يحصل بدليل أن العقوبات لم تخفف، لا بل على العكس، وإن بأقل ضوضاء، وإن تراوح مفاوضات فيينا من أجل العودة إلى الاتفاق النووي مكانها منذ أشهر، ما يظهر أن إدارة بايدن غير مستعجلة لذلك، خصوصا بعد انتخاب رئيس إيراني جديد في الصيف الماضي، صاحب سجل حافل بالإعدامات، ما يشكل إحراجا مزعجا لإدارة أميركية ترفع شعار الدفاع عن حقوق الإنسان. ناهيك عن أن إيران لم تبد أي مرونة في تعاطيها مع مسألة الصواريخ الباليستية، ولا في مسألة التخصيب النووي المستمر، ما دفع الشركاء الأوروبيين إلى مساندة الموقف الأميركي، بعدما كانوا يميلون إلى التساهل مع طهران، وفرنسا تحديدا التي حاولت أن تلعب دور الوسيط، حفاظا على مصالحها التجارية مع سلطة الملالي، علما أنها ما زالت تحاول أن تلعب هذا الدور في لبنان، إلى درجة أنها تدفع اليوم باتجاه إنقاذ الحكومة اللبنانية التي يسيطر عليها حزب الله، والمهدّدة بالانهيار بسبب تعرّض بعض وزرائها للسعودية ودول الخليج، واتهامها بالعدوان على الحوثيين في اليمن.

العراق الذي بدأ يستعيد عافيته وموقعه هو بمثابة الرئة التي تتنفس منها إيران، وخصوصا في هذه المرحلة التي تحاصرها العقوبات الأميركية من كل صوب

لا يمكن القول إن مجيء الكاظمي إلى السلطة في بغداد كان لصالح النفوذ الإيراني في هذا البلد، ولكن رئاسته الحكومة شكلت مخرجا لمحاولة إنقاذ العراق من الانهيار، ولوقف قمع العراقيين المنتفضين والنزف الدموي نتيجة سياسات أتباع إيران في السلطة وصراعاتهم. وبدل أن تحاول طهران تسهيل مهمة الكاظمي الذي يعي تماما أن الخريطة الجيوسياسية في المنطقة، وموقع بلده فيها، وحدود الدور الذي يمكن أن يضطلع به في هذه المرحلة الانتقالية الحساسة والمتأرجحة بين مصالح الكبار، فقد تركت لجماعتها أن تشوّش على الكاظمي، وتعرقل مهمة رجلٍ لم يعلن يوما قولا يعارض فيه إيران، ولم يتخذ أي موقف تجاهها، ولم يمارس أي دور معاد لها. وهي تعلم أنه ما زال المرشح الأقوى لترؤس الحكومة الجديدة. وكانت الانتخابات طبعا المحكّ الأساسي لنجاح الكاظمي رئيسا للحكومة، ولم يكن في وسعه التساهل بها، خصوصا إذا كان الواقع يقول إن الانتخابات حرّة ونزيهة، من شأنها أن تحجّم دور التيارات والمليشيات المغطّاة من الفصائل الشيعية المدعومة من إيران. طبعا، خسارة نفوذها في العراق أو تحجيمه هو التحدّي الأهم والأكبر بالنسبة لإيران التي رأت ربما في خسارة الانتخابات العنوان الأوضح والإنذار الأخطر الذي يوجّه لها في المنطقة. كما أن الملالي لم يألوا جهدا في توتير الأجواء في لبنان عبر التصعيد والضغط اللذين يمارسهما حزب الله، الذي يتخذ من الحكومة رهينة لتطويع القضاء، السلطة الوحيدة التي ما زالت خارج سيطرته، ويشيطن خصومه السياسيين ويهدّدهم بأن لديه مائة ألف مقاتل! وربما يجب أن نتوقع لجوءه إلى الأسلوب العراقي نفسه (أسلوبه أساسا) في ما لو خسر حلفاؤه الانتخابات في الربيع المقبل، علما أن احتمال تطييرها ما زال قائما. غير أن العنصر الأهم في كل ما يجري إقليميا ودوليا، ويجعل الملالي في حال من التوتر والضياع الاجتماع، الشهر الماضي (أكتوبر/ تشرين الأول) في موسكو، بين الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، ورئيس الحكومة الإسرائيلية، نفتالي بينت، اتفقا خلاله على محاصرة إيران في سورية لإخراجها منها، فهل يجب أن نتوقع الأسوأ في الأسابيع والأشهر المقبلة أم إن التسخين هو مقدّمة للعودة إلى طاولة المفاوضات؟