لكم ثورتكم ولهم إجرامهم
بقيت ثورة سوريا عفية فتية متدفقة حتى نجح جزار دمشق في جرها إلى حمل السلاح، وهذا ما يحاول تكراره جنرالات الانقلاب في مصر الآن، حتى بات السؤال المخيف يطرح في العلن: إلى متى سيبقى الثائرون على سلميتهم في مواجهة كل هذه الفظاعات؟
يتدحرج السؤال مبللا بقطران الخطر من صفحات غامضة على مواقع التواصل الاجتماعي، فتنصب حلقات النقاش والاشتباك حوله، فيما يتداخل معلقو الحساب السريع بالدفع في اتجاه التسلح والعسكرة، في إيقاع مدروس بعناية فائقة تشم منها رائحة مطابخ الأجهزة.
وبموازاة إشعال هذا السؤال تتأجج المقتلة المنصوبة للمتظاهرين بوتيرة متوحشة تكوي الأدمغة بألسنة السؤال المنبعث من الفضاء الإلكتروني، وكأن الطباخ الماهر يتعجل حربا يريدها ضد إرهاب صنعه على عينيه وهندسه بيديه وحدد له توقيتات الانطلاق، ثم يذهب لحلب ضروع الأبقار المقدسة المسكونة بهواجس الحرب على الإرهاب.
ويمكنك هنا أن تتابع السيناريو ذاته بكامل تفاصيله ربما في الحالتين السورية والعراقية، مع اختلاف في الاصطلاحات: "دعشنة" في سوريا و"قعدنة" في العراق و"أخونة" في مصر.
وقبل أيام باغتني أحد شباب ثورة يناير بالسؤال/ اللغم: إلى متى السلمية أمام تعرية البنات المعتقلات وامتهان رجولة الشباب المعتقل، وقبل ذلك محرقة رابعة العدوية وما تلاها؟
ولهذا الشاب وغيره: أعلم أنهم أحرقوا جثث شهداء فض الاعتصامات الرافضة للانقلاب في بشاعة لم يعرفها أعتى المجرمين. وأعلم أن أسافل ألسنتهم وأبواقهم قد أحرقوا كل القيم والمعاني المحترمة ومثلوا لفظيا بالجثث المحترقة.
ولأنني أعلم كل ذلك فإني أربأ بثورة أن تحرق سيارة لهم أو لأحد خدامهم، ولا أتخيل أن ثائرا من أجل الحق والحرية والكرامة يمكن أن يحرق أو يدمر.
انتبهوا لألاعيبهم ولا تستسلموا لغواية المحرقة.
ويبدو أن الإجابة لم تشف صدورا تشتعل غضبا على هذه الوحشية فيباغتك أحدهم بسؤال آخر: هل يبقى الثائر متفرجا على الظلم والقتل والاعتقال؟
ومرة أخرى: ليس مطلوبا من الثائر أن يتفرج، وعليه أن يقاوم الاعتداء على حياته. لكن أن يذهب هو إلى الحرق ويمارس الأساليب ذاتها التي يمارسونها ضده فهذا ما يريده السفاحون القتلة... كي يظهروا أمام العالم في (صورة محاربة الإرهاب) وهذا كله يجعلني أشك كثيرا في أن حرق السيارات أشبه بعمليات الإشعال الذاتي.
إن تسليح الثورة هو ما يتحرق إليه جزار والانقلاب شوقا (كما يذوب القس والشيخ في الجنرال عشقا) وانظروا إلى الثورة السورية حين أجبرها سفاح دمشق على حمل السلاح لكي يسوغ لنفسه استخدام ترسانته من الطيران والمدرعات لإبادة الثوار.