لفّي يا دنيا

29 نوفمبر 2020
الصورة
+ الخط -

مكَرت فئة من رواد التواصل الاجتماعي، أخيراً، بالشيخين، ابن باز وابن عثيمين، باستعادة فتاوى قديمة منسوبة إليهما تكفّر القائلين بدوران الكرة الأرضية، غير أن مكرهم ارتدّ إلى حلوقهم؛ لأنه ثبت بالدليل القاطع أن الشيخين كانا على حقّ في ما ذهبا إليه، وأن الأرض لا تدور فعلاً. وعلى ذلك، تجوز السخرية من هذه الفئة التي رامت الصيد في المياه العكرة، في محاولةٍ بائسةٍ منها للنيل والسخرية من علمائنا الأجلّاء، الذين جمعوا بين علوم الدين والفلك. وفي الوسع اعتبار ما قلته عن "السخرية" فتوى جائزة ضدّ الفئة المتخرّصة.
والحال أن لديّ من الدلائل والبراهين ما يعزّز النظرية المنسوبة إلى الشيخين، منطلقاً من فرضية قوامها أن دوران الكرة الأرضية مسألة نسبية تعتمد على الزاوية التي تنظر منها كل فئة إلى الأرض، واستناداً إلى ذلك، يمكننا البرهنة أن الأرض "تدور" و"لا تدور"، وكلتا النظريتين صائبة، وسأفسر ذلك:
الأرض لا تدور، فعلاً، بشعوبٍ تجمّدت الأرض تحت أقدامها منذ عقود طويلة، ولا يغيّر الزمن فيها شيئاً، تتشابه لديها الأعوام وتتكرّر، ولا تحمل لها أي منجزاتٍ تشعرها بتبدّل الأحوال.
من الصعوبة بزمان، مثلاً، أن نقنع مواطناً عربيّاً توقفت ساعته السياسية عند الحجاج بن يوسف الثقفي، أن "الأرض تدور" وتنبت الحريات والديمقراطيات؛ لأنه باختصار لا يرى غير حَجّاجٍ مكرورٍ يعيد إنتاج قمعه وسوطه وسيفه وزنزانته في كل العصور العربية، لا يتبدّل فيها غير الرؤوس التي "أينعت وحان قطافها". ومن المستحيل أن نقنع مواطناً عربيّاً تحجّرت عيناه على معاهدة سايكس بيكو أن الأرض دارت وتبدّلت؛ لأنه يرى أنّ معاهدة التفتيت والتجزيء لم تزل قائمة منذ قرن، بل تفاقمت وتعاظمت، حتى غدت القُطرية قاعدةً والوحدة استثناءً.
وكيف نقنع مواطناً عربيّاً تيبّست عيناه على صورة "الزعيم الأوحد"، و"الزعيم الهبة من الإله"، أو على غرار ما كان يهتف به بعض قطاعات الشعب السوري غداة انقلاب حافظ الأسد على رفاقه في حزب البعث: "سألنا الله المدد فأرسل إلينا حافظ الأسد". ولو قلنا لهذا المواطن إن حافظاً مات، لأجاب: "إن من يعبد حافظاً لا يموت"، بدليل ما كانت قد تناقلته وسائل إعلام سابقاً عن شبان يؤدون الصلاة لصورة بشار الأسد، سليل حافظ، و"من شابه أباه فقد ظلم".
وكيف نقنع مواطناً عربيّاً يراوح بين جوع وبطالة، وبين فقر ومهانة، منذ عهود "الاستقلال" وما قبلها، بأنّ في وسع الأرض التي "تدور" أن تنقله يوماً إلى عالم الرفاهية والتأمين الصحي والعلاج المجاني، وإلى ردم الفجوة في معدلات الدّخل، ليس بينه وبين الفرد الأجنبي، بل على الأقل بينه وبين الفرد الإسرائيلي الذي يبلغ معدل دخله عشرة أضعاف معدّل نظيره الفلسطيني.
وكيف نقنع هذا المواطن بالتحديث والتطور، مدلّلين على "دوران الأرض" بامتلاكه وسائل وأدوات حديثة لم يكن يمتلكها أسلافه، غير أن حجّتنا بالغة الضعف أمامه؛ لأنه سيقول، باختصار، إن كل ما فعلته التكنولوجيا المستوردة أنها أتاحت له أن يقرأ كتاب "فن الطبخ" على جهاز الحاسوب بدل شرائه، وأن الأساس هو نقل العلوم ذاتها التي تمكّنه من صناعة الحاسوب في بلده، لا أن يكون محض مستوردٍ منتجات التكنولوجيا.
في المقابل، الأرض تدور، فعلاً، ولكن بأقوامٍ يسبقون الأرض ذاتها، بعلومهم وأفكارهم وحقوقهم وحرّياتهم، فيما تحاول الأرض اللحاق بهم بلا جدوى. أولئك فقط من يشعرون بتغيّر الزمن، عندما يرون زعماءهم يتغيرون، وبلادهم تتطوّر، وكلما بلغوا سقفاً حطّموه؛ لأن أدمغتهم لا تقبل القوالب والحجْر الفكري والسياسي والثقافي، أولئك يحتفون بفلسفة ابن رشد، ونحن ما زلنا نحارب الفلاسفة، والاجتهاد، ونسمّي كل ما لا نفهمه "بدعة" ستقودنا حتماً إلى النار، بما في ذلك "دوران الأرض".
باختصار، يستحيل إقناع الواقف أن الأرض تدور، وأن أي شيءٍ من حوله يتحرّك، فكيف بواقف تصطدم أحلامه بسقوفٍ أوطأ من العتبات، وترتد إليه كصخرة سيزيف، كأنها عقابٌ أبديّ لمن يجرؤ على الحلم.
وثمّة مفارقة أخيرة، فالعالم غاليليو كان قد خضع لمحاكمة قاسية لقاء نظريته وإيمانه بـ"دوران الأرض"، ويبدو اليوم أن ثمّة محاكمات "إلكترونية" عكسية، تعقد اليوم لمحاكمة من يزعمون "عدم دوران الأرض".. و"لفّي يا دنيا".