لبننة الأردن وتمصيره

لبننة الأردن وتمصيره

18 مارس 2021
الصورة
+ الخط -

(1)

تبلغ ميزانية وزارة الصحة في الأردن نصف ميزانية مديرية الأمن العام، فيما يتحدّث رئيس الوزراء، بشر الخصاونة، عن ثورة إدارية. ولا يكاد أحد يأخذ كلامه على محمل الجد، فيما تغلي بؤر في غير منطقة في البلاد بمظاهراتٍ رفعت سقف مطالبها إلى مستوياتٍ تعيدنا إلى تلك الشعارات التي سادت قبل عقد، في سياق ما اصطلح على تسميتها "ثورات الربيع العربي".

يكاد يتفق الكثيرون على أنّ سبب تفاقم الوضع الصحي في الأردن يعود إلى مؤسّسية الفساد، التي تسمح بوقوع أخطاء قاتلة، وكانت حادثة مستشفى السلط الكارثية التعبير الأكثر إيلاماً عنها، حجم الفوضى والتشويش الذي تعيشه البلاد بلغ مستوى غير مسبوق، وما تشكيل ثلاث لجان تحقيق في مأساة السلط (نيابية وعسكرية وقضائية) إلاّ التعبير الفظ عن هذا الحال، وهو مؤشّر على غياب الرؤية وتعدّد المرجعيات التي تتوسل، عبر قرارات "شعبوية"، امتصاص غضب الشارع، لا حلّ المشكلة.

سبب تفاقم الوضع الصحي في الأردن يعود إلى مؤسّسية الفساد، التي تسمح بوقوع أخطاء قاتلة، وكانت حادثة مستشفى السلط الكارثية التعبير الأكثر إيلاماً عنها

لقد سبق أن أصيبت البلاد بفواجع مشابهة، شكّلت إثرها لجان تحقيق، لم تكد تتمخّض عن شيء، حتى أنّ هناك اعتقاداً سائداً في العقل الجمعي الأردني مؤدّاه أنّك إذا أردت قتل قضية أو دفنها فشكل لها لجنة، وفي تغريدةٍ نادرة تعبر عن هذا الواقع، كتب الزميل سمير الحياري، مالك أحد أهم المواقع الإخبارية في الأردن (عمون) قائلاً على "تويتر": تمت لفلفة القضية حسب الأصول سيدي ..!

(2)

الحالة الأردنية بمجملها، وعبر العقدين الأخيرين على الأقل، تسير في منحنى تنازلي سلبي لجهة الإصلاح السياسي والإداري وتحسّن الأوضاع العامة، إن على مستوى الاقتصاد أو حرية التعبير والدمقرطة. الأردن هو البلد الوحيد في العالم الذي يصرح فيه مسؤول أمني كبير بتباهٍ يُحسد عليه، بأنّه "عيّن" نحو سبعين نائباً في "انتخابات" 2007 النيابية، يُفترض أنّه تم انتخابهم (!). واليوم، وبعيد أشهر قليلة على آخر انتخابات نيابية نظمت، ثمّة اعتقاد جازم أن ما حصل فيها ربما هو أسوأ مما حصل في تلك الانتخابات، كما قال نائب رئيس الوزراء، وزير الصحة الأسبق، ممدوح العبادي، في لقاء مع إذاعة محلية، وتكاد تسمع هذا الرأي كلّ يوم ممن انخرطوا في عملية الانتخابات. وشاع في الأثناء مصطلح "هندسة الانتخابات" قبل العملية وفي أثنائها وبعدها، وهو يدلّ على عملية "ترسيم" ذكيةٍ لمن يُراد أن ينجح أو يُقصى، بل إنّ المركز الوطني لحقوق الإنسان، وهو مؤسّسة حكومية بحتة، يعيّن مسؤولوها بقراراتٍ رسمية، أصدر تقريراً جريئاً، فسّر عملية "الهندسة" بشكل عملي، وقد يكون "جرّم" فيه مظاهر كثيرة سادت قبل الانتخابات وفي أثنائها، على نحو أو آخر، ففي خلاصةٍ مكثفةٍ لتقريره، قال المركز إنّ انتهاكاتٍ جسيمةً وقعت خلال دورة الانتخابات البرلمانية في نوفمبر/ تشرين الثاني في المملكة، تركّزت بصورة مباشرة خلال فترات الترشّح والاقتراع، وإنّ ما تم رصده وتوثيقه "من انتهاكات ومخالفات رافقت العملية الانتخابية، خصوصاً خلال فترة الترشّح والاقتراع، قد بلغ بعضها من الجسامة حدّاً يعيب العملية الانتخابية برمتها". وأورد التقرير أمثلةً على هذه "الجسامة"، مثل الضغوط التي كان يتعرّض لها المرشّحون لثنيهم عن الترشح للانتخابات أو الانسحاب منها. ومن الانتهاكات التي وقعت، قبل عملية تسجيل المرشّحين، وقوع "انتخابات عشائرية خارج الأطر القانونية لإحداث توافقات وإفراز مرشّحين تحت مرأى ومسمع الجهات المعنية والحكام الإداريين، وقد شكلت جميعها خرقاً لأوامر الدفاع التي تحظر عقد اجتماعات لأكثر من 20 شخصاً". وسجل التقرير عدم التزام مرشحين عديدين وأنصارهم بقواعد الدعاية الانتخابية، وخلال فترة الدعاية، وما قبلها وفي أثناء يوم الاقتراع. كما نشطت ظاهرة استخدام المال السياسي (الأسود) للتأثير على قناعات الناخبين، سواءً بشكل مباشر أو غير مباشر، وقد رصد المركز انتشار هذه الظاهرة على نطاق واسع. كما سجل المركز خروقات جسيمة عديدة، مثل منع بعض مراقبي الانتخابات من دخول غرف الاقتراع، ومن إدخال هواتفهم النقالة، كما منع ما نسبته 12% منهم من حضور إجراءات إقفال الصناديق وإنهاء عملية الاقتراع. ولم تستخدم الهيئة المستقلة أقفالا للصناديق تحتوي على أرقام، وإنما تم استخدام مرابط بلاستيكية لا تحتوي على أي دلالة رقمية أو رموز سرية. ولوحظ وجود نقص في المعدات الخاصة بعملية الاقتراع، إلى غير ذلك من انتهاكاتٍ في بلد يحتفل بمئوية تأسيسه، يفترض أن تكون مناسبة احتفالية لإنجازات، لا إخفاقات وانتهاكات للقانون والدستور، في أكثر العمليات تعبيرا عن مؤسسية الدولة وثباتها واستقرارها، وهي العملية الانتخابية.

الحالة الأردنية بمجملها، وعبر العقدين الأخيرين على الأقل، تسير في منحنى تنازلي سلبي لجهة الإصلاح السياسي والإداري

وقدّم تقرير المركز، في نهايته، نحو 24 توصية من أبرزها: ضرورة تطوير القانون الانتخابي، بحيث يكون أكثر تمثيلاً للقواعد الشعبية والحزبية، وتعديل نص المادة 71 من الدستور الأردني، بما يضمن الحق بالتقاضي على درجتين، للطعن بصحة نيابة أعضاء مجلس النواب. وكذلك، ضرورة إجراء التعديلات القانونية اللازمة، بما يضمن عدم الخرق لفترة الصمت الانتخابي، وتعديل القوانين اللازمة، كقانون العقوبات وأصول المحاكمات الجزائية، بما يحقق نجاعة أكبر في متابعة مرتكبي الجرائم الانتخابية وملاحقتهم، وتفعيل دور الهيئة المستقلة في مراقبة الحملات الانتخابية وضبط الدعاية الانتخابية. ومما هو مؤكد أنّ هذه التوصيات لن تجد طريقا إلى التطبيق، شأن عشرات بل مئات التوصيات والتمنيات التي أصدرتها من قبل لجان ملكية ولجان تحقيق (حيث السلطة تحقق مع نفسها!) ومؤتمرات وخلوات في البحر الميت وغيره، بل وقرارات "رسمية". وتزخر كتب تكليف الحكومات بما يشبه هذا مما يجد طريقه إلى النسيان، بعد أن يحتل الصفحات الأولى في الصحف والمواقع الإخبارية. ولا يتم استدعاء مثل هذه القضايا إلا بعد وقوع كارثة، وسرعان ما يلفها النسيان، حتى بات كثير من نخب المجتمع يعتقد أن البلاد التي يقول بعضهم إنها على شفير هاوية، تفتقر لوجود قرار حقيقي بالتغيير، سواء على صعيد سياسي أو اقتصادي. من هنا، تأتي المطالبات الجديدة بتغيير "النهج" لا السياسات فقط.

(3)

حلُم الأردنيون في وقت ما (كما وُعدوا) بأن يصبحوا سنغافورة الشرق، إلا أنّهم تمصّروا ثم تلبننوا. والحالة الأردنية اليوم، في المجمل، تعبير مكثف عن الحالة العربية، من لبنان إلى العراق فالسودان ودول الخليج، مروراً بمصر ودول الشمال الأفريقي، حيث الدولة في حالة رخاوة وتميّع، على اختلافٍ طفيفٍ بين دولة وأخرى. وربما ساهمت أزمة الجائحة كثيراً في كشف حجم عوار النظام السياسي العربي. وتأتي الفواجع، بين حين وآخر، لتسخّن المشهد، انتظاراً لخروج الجمر من تحت الرماد، وهبوب الموجة الثانية من الربيع العربي، في توقيتٍ لا يستطيع أن يتنبأ به أحد، وإن كان قادماً لا محالة.