لبنان وسفينة النفط

لبنان وسفينة النفط

22 اغسطس 2021
الصورة
+ الخط -

لم يكتف الزعماء اللبنانيون بما أوصلوا إليه البلاد في ظل محاصصات الفساد والمحسوبيات والقرارات الاقتصادية الكارثية التي وضعت لبنان في مسار انهيارٍ غير معروفة نهايته، فقرّر جزء منهم الدخول في صراعاتٍ دوليةٍ غير محمودة العواقب، بناء على سياسات شعبوية غير مستندة إلى أي دراسات جدوى اقتصادية وسياسية واجتماعية.

أزمة الوقود اليوم في لبنان من القضايا التي تؤرّق المواطنين الذين يصرفون ساعات طويلة أمام محطات المحروقات للتزوّد بالبنزين والمازوت. أزمة مرتبطة بالصراع بين القوى الحاكمة وحاكم المصرف المركزي، على الأقل في العلن، على تحرير سعر صرف الليرة اللبنانية مقابل الدولار الأميركي، للتمكّن من رفع الدعم عن النفط واستيراده وفق سعر السوق للدولار، والذي يمثل أضعاف السعر الرسمي المثبت على 1500 ليرة، فيما هو متداول بالسوق السوداء بنحو 20 ألف ليرة. نقول صراعاً على الأقل في العلن، لأن القوى السياسية، بمختلف مشاربها، مدركة أن لا حل عملياً إلا برفع الدعم عن المحروقات، مع اقتراب احتياطات المصرف المركزي من العملات الأجنبية من النفاد. غير أن أحداً لا يريد تحمّل مسؤولية هذا القرار الذي ستكون له انعكاسات كارثية على الحياة اليومية للبنانيين، والذين يعيشون في جحيم الغلاء وانقطاع الكهرباء وفقدان كثير من المواد الأولية، من غذاء ودواء، إضافة إلى خسارة الرواتب المدفوعة بالليرة اللبنانية لقيمتها الشرائية.

ورغم أن الوضع الانهياري اللبناني بالأساس مرتبط بالسياسات الاقتصادية الخاطئة المعتمدة منذ تسعينيات القرن الماضي، والتي انفجرت اليوم، إلا أنه غير مفصول عن المحاور الإقليمية والدولية والعقوبات الاقتصادية المفروضة على سورية وإيران، والرغبة في تحجيم حزب الله ونفوذه في الداخل اللبناني، وهو ما سرّع هذا الانهيار.

اليوم، بات لبنان مهدّداً بتغليظ هذه العقوبات، بعدما خرج الأمين العام لحزب الله، حسن نصرالله، ليعلن استيراد سفينة نفط من إيران لسدّ حاجة السوق المحلية. قرار يحمل كثيرا من الشعبوية التي وجدت أصداءها عند جمهور الحزب وبعض الذين يدورون في فلكه، إضافة إلى كثير من اللبنانيين الباحثين عن طوق نجاة، ولو كان وهمياً، لتفادي السقوط الحر الذي يعيشه البلد. قرار نصرالله الفردي، والذي لم يحظ بغطاء من الدولة اللبنانية، بل عمدت وزاراتٌ إلى التبرؤ منه، ليس حلاً للأزمة الحاصلة في البلاد، ناهيك عما قد يجرّه من تداعيات على ما تبقى من متنفس لكثير من اللبنانيين.

بداية، هذه السفينة وما تحمله، في حال تمكّنت من الوصول إلى لبنان ولم يتم اعتراضها، كما تم اعتراض سفن النفط التي أرسلتها طهران إلى فنزويلا، لن تكون حلاً لأزمة فقدان المحروقات، وكل ما ستفعله هو إحداث انفراجةٍ وهميةٍ لن تدوم أكثر من أيام قليلة. هذا إذا تم التعاطي مع الموضوع من الزاوية العملية البحتة للشحنة وقدرتها على التأثير في مسار الأزمة، فلبنان يحتاج سفينة أسبوعيا على الأقل، ليكون لهذه الخطوات انعكاس فعلي على مسار الأزمة. لكن الأخطر من ذلك، وفي حال تمكّنت هذه السفينة وشحنتها من الوصول إلى لبنان، هو اتخاذ الإدارة الأميركية قرارا باستخدام سيف العقوبات على إيران لمحاسبة الدولة اللبنانية، باعتبارها تخرق هذه العقوبات. قرار قد يؤدّي إلى إغلاق منفذ تحويلات العملة الصعبة إلى لبنان، والتي يقوم بها مغتربون لبنانيون كثيرون لمساعدة أسرهم، إضافة إلى بعض الشركات ذات المنشأ الخارجي، والتي لا تزال تحوّل شهرياً دفعات الرواتب إلى البلاد بالدولار الأميركي أو غيره من العملات الصعبة. من المعلوم أن هذه التحويلات، وفي ظل الفرق الشاسع في سعر صرف الدولار بين الرسمي والسوق السوداء، هي التي ما زالت تمنع الكثير من إطلاق صرخات الجوع رسمياً، وهي ما تعوّل عليه الدولة لكبت الغضب الشعبي.

ليس مؤكّدا بعد رد الفعل الأميركي على سفينة النفط الإيرانية المرتقبة، لكن المغامرة غير المسؤولة من فصيل يحكم الدولة اللبنانية، من شأنها أن تغرق البلد في مزيد من الأزمة وتعمّق فجوة الانهيار.