لبنان والغرق في متاهات التأليف الحكومي

20 نوفمبر 2020
الصورة
+ الخط -

لم يتغير أي شيء يذكر في لبنان على المستوى السياسي، بالرغم من توقعات بحصول تغير ما في سلوك زعماء القوى والأحزاب الطائفية وقادتها بعد انفجار مرفأ بيروت الكارثي، والذي يبدو أن عامة اللبنانيين وحدهم من كانوا ضحاياه ومن دفعوا تكاليفه، فيما توقفت مفاعيله السياسية عند استقالة حكومة حسان دياب، وبعدها جرى تكليف مصطفى أديب بمهمة تشكيل حكومة جديدة، لكن غياب التوافق في نظام المحاصصة الطائفية أفشل جهوده ومساعيه، لتعود المهمة إلى رئيس الوزراء الأسبق، سعد الحريري، والذي ما يزال يراوح في مكانه. 
وعلى الرغم من أن تكليف سعد الحريري جرى في 22 الشهر الماضي (أكتوبر/ تشرين الأول)، إلا أن مشاورات التأليف الحكومي ما تزال تدور في دوامة حلقةٍ مُفرغة، تتقاذفها الشروط والشروط المضادة التي تضعها قيادات القوى والأحزاب الطائفية عبر تدخلاتها في أدق تفاصيل التأليف الحكومي، وتبرّرها تحت باب المشاركة الوطنية في التسميات والحصص الوزارية، فيما تدّعي جميعها الحرص على الدعم الكامل للمبادرة الفرنسية، وتذليل العقبات أمامها، وعلى تنفيذ الإصلاحات المطلوبة، لكنها واقع الأمر تتشارك في لعبة رمي مسؤولية عرقلة التأليف الحكومي على بعضها بعضا، لأنها غير منشغلة إلا بالحفاظ على مصالحها ومواقعها وحصصها ومكاسبها، في وقتٍ يعاني فيه عامة اللبنانيين الأمرّين من الأوضاع المعيشية.
ولم تجد نفعاً زيارات المسؤولين الفرنسيين إلى لبنان، وفي مقدمهم الرئيس الفرنسي ماكرون، في زحزحة مواقف القوى والأحزاب السياسية، ولم تنفع كذلك التحذيرات الفرنسية من مغبّة التعطيل، كما لم تنفع التدخلات الأميركية وسواها. وجرى تجاوز كل المهل لإنجاز التشكيلة الحكومية، حتى باتت المبادرة الفرنسية نفسها مهدّدة بالسقوط في وقتٍ تتفاقم فيه الأزمات الاقتصادية والمعيشية، ويشرف احتياطي البنك المركزي اللبناني من النقد الأجنبي على النفاد، ما يعني دخول لبنان في مرحلةٍ يتم فيها رفع الدعم عن المواد والحاجات الأساسية، وخصوصا المحروقات والأدوية والقمح وسواها.

لم تجد نفعاً زيارات المسؤولين الفرنسيين إلى لبنان، وفي مقدمهم الرئيس ماكرون، في زحزحة مواقف القوى والأحزاب السياسية

المفارق في الأمر أن تصريحات قادة الكتل والقوى السياسية اللبنانية تشي بأنهم على استعدادٍ لتسهيل تأليف الحكومة، لكن ما يعلنونه في تصريحاتهم ليس أكثر من مجرّد تعهدات شكلانية، سرعان ما تتحطم على صخرة التعطيل، ليبقى تشكيل الحكومة عالقاً، ومرهوناً بتدخلات القوى الإقليمية والدولية التي ربطتها بالمتغيرات والتطورات الدولية، وخصوصا الانتخابات الرئاسية الأميركية التي لم تغير نتيجتها، مع انتخاب جو بايدن، شيئا في مواقف القوى والأحزاب اللبنانية. 
ومن دون الدخول في تفاصيل مواقف ما بات يعرف "الثنائي الشيعي" والتيار الوطني الحر وتيار المستقبل والقوات اللبنانية والمردة وسواهم، فإن طريق تشكيل حكومة جديدة أدخل لبنان في مرحلةٍ تتقاذفها مناورات التعطيل ومماحكات التكليف، خصوصا وأن مطالب اللبنانيين بحكومة وحدة وطنية، بالمعنى الحقيقي للكلمة، أو حكومة محايدة ومستقلة، يصطدم بأجندات القوى المهيمنة على نظام الحكم، وسعيها إلى تشكيل حكومة أقطابٍ سياسية، تخضع لإملاءاتها، وقادرة على لفلفة ملفات الفساد وتداعيات الكوارث والأزمات التي أوجدتها، ما يعني ضرب المطالب الدولية عرض الحائط، وعدم الاكتراث بتحكّمها بالمساعدات والقروض المالية الموعودة للبنان.

طريق تشكيل حكومة جديدة أدخل لبنان في مرحلةٍ تتقاذفها مناورات التعطيل ومماحكات التكليف

ولا تنحصر أسباب مناورات التعطيل التي تتقنها القوى والأحزاب اللبنانية، في انقساماتها العميقة وانعدام الثقة في ما بينها، بل يطاول مقاربتها طبيعة الحكومة اللبنانية المقبلة وتركيبتها ومهامها، ويمتد إلى تغليبها مصالحها الطائفية الضيقة على مصالح عامة اللبنانيين، وارتهانها إلى قوىً خارجية لا تكف عن إدخال لبنان في صراع التدخلات والتجاذبات الإقليمية والدولية.
المشكلة في لبنان أن زعماء القوى والأحزاب الطائفية المهيمنة عليه يتصرفون وكأنهم يقرّرون مصير دولة عظمى، ولا يكفّون عن التحاذق الشخصي والتفاخر السياسي. ومن هذا المنطلق، يسعون إلى تشكيل حكومة اختصاصيين في الشكل، بينما يريدونها في المضمون أن تحمل خلفيّة سياسيّة واضحة، بما يمكّنهم من ضمان نفوذهم السياسي داخلها. لذلك من غير المرجح أن يشكل الضغط الدولي والإقليمي والداخلي فرصةً لتراجع نظام المحاصصة اللبناني عن نهجه الذي واظب عليه منذ مدة طويلة، على الرغم من أن الوضع في لبنان بات تحت المجهر الدولي، خصوصا الفرنسي والأميركي، الضاغط باتجاه الاستفادة من فرصةٍ متاحة أمام نظامه، بغية الخروج من المأزق الذي أوصل لبنان إليه، والقيام بإصلاحاتٍ وتغييراتٍ جذرية، تمسّ تركيبته السياسية والإدارية والحكومية، والقطع مع الدولة المهيمن عليها من دويلة حزب الله والعونيين وسواهم، وتبنّي سياسة الحياد الإيجابي التي تُبعد لبنان عن سياسة الانخراط في المحاور والصراعات الإقليمية، وبغية تجنيب البلد الويلات والكوارث، والابتعاد عن وضعه في خدمة أجندات الأنظمة، وخصوصا نظام الأسد ونظام الملالي في إيران ومشاريعه التوسّعية في العراق وسورية واليمن.

لا تنحصر أسباب مناورات التعطيل التي تتقنها القوى والأحزاب اللبنانية، في انقساماتها العميقة وانعدام الثقة في ما بينها

ولعل الأجدى بالقوى المهيمنة على النظام اللبناني أن تقوم بما يلزم للتصدّي للارتدادات السلبية لجائحة كورونا على البلاد على حياة اللبنانيين ومعيشتهم، إضافة إلى مواجهة الأوضاع الصعبة على مختلف الصعد، وذلك عبر إيجاد السبل والخطط المناسبة لتجاوزها. وهذا يقتضي تجاوز خلافاتها السياسية وصراعاتها الداخلية وولاءاتها الإقليمية والدولية، وأن تأخذ على محمل الجد المطالب والمبادرات الداعية إلى حصر استخدام العنف بيد الدولة، وحل الذراع العسكري لحزب الله، ونقل سلاحه إلى الجيش اللبناني، وحصر تمثيل الحزب سياسياً، مثله مثل جميع الأحزاب اللبنانية الأخرى، الممثلة في إدارات الدولة والبرلمان وأجهزتهما، والسير نحو إجراء انتخابات نيابية نزيهة وفق قانون انتخابي جديد، تنتفي فيه هيمنة القوى الطائفية. وقد يندم رموز النظام إذا لم يقوموا بالإصلاحات والتغييرات المطلوبة، لأنهم سيواجهون مزيدا من العزلة الدولية، ولن يجنوا شيئاً سوى مراكمة الكوارث والأزمات.