لبنان و"الحاكم الفعلي"

لبنان و"الحاكم الفعلي"

21 مارس 2021
الصورة

لبنانيان يشاهدان في مقهى في بيروت حسن نصرالله يلقي كلمة متلفزة (30/8/2020/فرانس برس)

+ الخط -

لم يكن الأمين العام لحزب الله، حسن نصرالله، بحاجة إلى كل الكلام الذي قاله في إطلالته يوم الخميس الماضي، ليعلم الجميع أنه الحاكم الفعلي للبنان، أو كما يقال "مرشد الجمهورية اللبنانية"، على غرار مرشد الجمهورية الإسلامية في إيران، والذي عملياً يملك كل خيوط الحل والربط في قرارات الدولة. وكما هو الحال في إيران، اعتاد نصرالله، بين الفينة والأخرى، الخروج في خطاباتٍ، لمناسباتٍ قد تكون مفتعلة أحياناً، ليطلق التوجيهات العامة، والتي تتحول إلى سمة الأداء السياسي لكل من يدور في فلك الحزب في أروقة الدولة اللبنانية. لكن الظهور الأخير كان مختلفاً، وخصوصاً لجهة بعض الإشارات التي أطلقها الأمين العام لحزب الله، والتي يمكن قراءتها بأشكال مختلفة، إضافة إلى التأكيد الضمني على فكرة الدولة ضمن الدولة، أو التي أقوى من الدولة التي يمثلها حزب الله.

لم يشذّ نصرالله في بداية خطابه عن السياق العام للتوجيهات والشروط التي يجب أن يحتكم إليها السياسيون في محاولة تشكيل حكومةٍ تضع على عاتقها الخروج من الأزمة الاقتصادية الحالية. أول هذه الشروط، والتي ساقها على شكل تمنيات، هي الانقلاب على فكرة حكومة الاختصاصيين، والتحوّل إلى حكومةٍ سياسيةٍ مكونةٍ من أحزاب مهمتها ضبط الشارع في حال اضطر لبنان إلى تطبيق شروط البنك الدولي أو صندوق النقد للحصول على قروض سريعة. وبغض النظر عن أن هذه الفكرة تناقض بالأساس الشروط الدولية لمساعدة لبنان في أزمته، فإن ما في طياتها يوحي بأن الأحزاب اللبنانية، وفي مقدمتها حزب الله، لن تسعى إلى ضبط الشارع في حال لم يكن لها نصيب في الحكومة والمشاركة في قرارات رفع الدعم المرتقبة. فرفع الدعم سيكون مقبولاً لو كانت الأحزاب والقوى السياسية في السلطة، وما دون ذلك فهناك خطر في الشارع.

المفارقة أن التلويح الضمني بالشارع من نصرالله، قابله رفض مطلق لحركات الاحتجاج التي تجري اليوم في مختلف الأراضي اللبنانية بسبب غلاء سعر صرف الدولار مقابل الليرة. أما السبب فهو لم يشذّ عن السياق العام للاتهامات التي يكيلها الحزب بين الحين والآخر لمظاهر لا تعجبه، فنصرالله اعتبر أن هذه الاحتجاجات، أو بعضها والذي يتضمن قطعاً للطرقات، هو ضمن "خطة من الاستخبارات الأميركية" لإشعال حرب أهلية في لبنان، على غرار سورية والعراق واليمن. غير أن هذا الحرص على السلم الأهلي لم ينعكس في التهديد المبطن الذي وجهه نصرالله للدولة والمحتجين، حين قال إنه في حال لم تقم القوى الأمنية بواجباتها في مواجهة الاحتجاجات، فإن الحزب ستكون لديه طرقه الخاصة. ورغم أن نصرالله لم يحدّد الطرق التي سيلجأ إليها، إلا أن سوابق للحزب وأنصاره والجمهور كفيلة بتوضيح الصورة.

طرق أخرى خاصة بحزب الله أوردها نصرالله في خطابه، تؤشّر إلى شبه الاستقلالية عن الدولة التي يعيشها الحزب. فإضافة إلى المؤسسات الرعوية التي يملكها في مناطق نفوذه، تحدث نصرالله عن إمكان لجوء الحزب إلى طرق استيراد خاصة لمنع "التجويع"، في حال لم تستمع الدولة إلى نصائحه باللجوء إلى الاستيراد بالليرة اللبنانية من الصين وإيران. ورغم أن مثل هذا الخيار الاقتصادي مستحيل عملياً، طالما أن التجارة العالمية تدار بالدولار، وهو ما تعاني منه إيران بشكل مباشر، إلا أن ما سينتج عنه من تداعيات سيفاقم الأزمة الاقتصادية في لبنان. فلا يمكن تجاهل أن العقوبات الأميركية المفروضة على إيران وسورية هي أحد أسباب الأزمة الاقتصادية اللبنانية، وأي تمادٍ في التجارة مع هذه الأطراف سيفاقم العقوبات.

إشارات وتوجيهات "الحاكم الفعلي" للبلاد لا يبدو أنّ لها أفقاً لحل الأزمة، بل هي تعليمات واضحة لمزيد من التعقيد.