لبنان: ضبط إيقاع الانهيار

لبنان: ضبط إيقاع الانهيار

12 سبتمبر 2021
الصورة
+ الخط -

بعد انتظار طويل، دام أكثر من عام، تخلّله تكليف واعتذار، خرجت الحكومة اللبنانية إلى النور في ظل ظروف كارثية يعيشها البلد. حكومة من المفترض أن تتعامل مع أزمةٍ اقتصاديةٍ غير مسبوقة، صُنّفت الثالثة عالمياً. لكن ما هي حدود الإمكانات التي من الممكن أن تتصرّف فيها هذه الحكومة لضبط إيقاع الانهيار الذي يعيشه لبنان، وتقنينه فعلياً لفتح الأبواب أمام المساعدات التي من الممكن أن تساهم، إلى حد ما، في تخفيف سرعة السقوط الحر القائم حالياً. هو مجرّد تخفيف، إذ من غير الممكن أن يعود الوضع الاقتصادي في هذا البلد إلى ما كان عليه سابقاً في ظل ندرة الاحتياطي من العملات الأجنبية التي كانت في حوزة المصرف المركزي، وبالتالي عدم قدرة الدولة فعلياً على القيام بواجباتها تجاه المواطنين، كحال كل الدول، لجهة دعم السلع الأساسية وتقديم الخدمات.

مثل هذه المعضلة، أي غياب الاحتياطي الأجنبي، لا حلّ جذرياً لها، بمعنى أنه من غير الممكن أن تعوّض المساعدات أو القروض الدولية، مهما كانت، قيمة الاحتياطي الذي كان موجوداً، والذي صرف خلال السنوات الثلاثين الماضية من دون خطط اقتصادية حقيقية، واقتصر في معظمه على تثبيت سعر صرف الليرة اللبنانية ودعم السلع الأساسية، من دون التأسيس لمشاريع إنتاجيةٍ تعوّض ما يصرف، وهو ما قاد إلى الانهيار القائم حالياً.

أولى الخطوات المطلوبة من الحكومة الحالية هو الخروج من عباءة الهندسات المالية التي حكمت عمل الحكومات السابقة اقتصادياً. غير أن المشكلة أن كثراً من أعضاء هذه الحكومة، وفي مقدمهم وزير المال الجديد، هم من واضعي هذه الهندسة. وبالتالي، من الصعب عليهم الانقلاب عليها كلياً، رغم ثبوت أن تلك السياسات جاءت بنتائج كارثية على البلاد.

قد لا يكون من مهام الحكومة الحالية اليوم إعادة رسم السياسات الاقتصادية كلياً، إذ إنها حكومة مواجهة أزمة. هي عملياً لن تكون مواجهة بمعنى الكلمة بقدر ما هي توضيح المسار الاقتصادي للبلاد، وتثبيت الوضع القائم باعتباره القدر اللبناني في المرحلة المقبلة. فكل من كان يعوّل على عودة الأمور إلى سابق عهدها، وهم كانوا كثراً في بداية الأزمة وتناقصوا مع الوقت، سيتيقّن الآن من استحالة هذا الأمر، وأن التعايش مع الوضع الراهن هو المطلوب.

فعلياً، بدأت الحكومة، قبل أن تتسلم مهامها، تطبيق هذا الأمر عبر التصريح الأول لرئيسها نجيب ميقاتي، فالأخير كان واضحاً بأن دور ما ستقوم به الحكومة اليوم هو قوننة الوضع القائم، لجهة فلتان الأسعار، والرفع غير الرسمي لدعم السلع الغذائية والوقود. وبالتالي، فإن من يستبشر خيراً بأن هذه الحكومة من الممكن أن تحسّن الوضع القائم يبدو مخطئاً. عملياً هذا ما قاله ميقاتي في تصريحه الأول، داعياً اللبنانيين إلى "شد الحزام".

رئيس الحكومة الجديد أكد قصة رفع الدعم، والذي ستليه تأكيدات أخرى في المستقبل القريب. وفي مقدمة الإعلانات المتوقعة في الفترة المقبلة هو تحرير سعر صرف الليرة اللبنانية مقابل الدولار. وبالتالي، تثبيت الوضع القائم حالياً في السوق السوداء، لكن ليصبح قانونياً وواقعاً فعلياً. هذا الأمر هو ما تطالب به المؤسسات الدولية التي أبدت استعدادها لمساعدة لبنان.

الحكومة ستطبّق هذه الشروط الدولية، لكنها بالتأكيد ستكون عاجزة عن تطبيق أهم شرط من هذه الشروط، والذي تتحدث عنه كل الدول الغربية التي من الممكن أن تساعد لبنان. الشرط يتعلق بمكافحة الفساد، وهو أمر مستحيل بالنسبة لهذه الحكومة أو غيرها، ما دامت تُؤلف بنفس طريقة المحاصصة السياسية والطائفية. فالمسؤولون عن هذا الفساد من غير الممكن أن يكونوا قائمين على مكافحته، بل يسعون إلى حمايته وتثبيته وقوننته. وهو ما سيحصل.