لبنان سلطة مخطوفة ودولة تتحلّل

لبنان سلطة مخطوفة ودولة تتحلّل

23 اغسطس 2021
الصورة
+ الخط -

السؤال البديهي الذي يتبادر إلى الذهن، ويفرض نفسه على أي مراقب أو متابع أو معني أو متعاطف أو مستغرب: كيف يعيش اللبنانيون في ظل هذا الانهيار المذهل والمريع الذي انزلق إليه لبنان على المستويات كافة؟ الأكثر ذهولا أن اللبناني "يعيش" كيفما اتفق، ولم يعد يطرح على نفسه سؤالا كهذا في بلد تسير فيه الحياة بأعجوبةٍ عجز عنها القدّيسون أنفسهم! بلد لم يعد فيه أي دور لأي كان سياسيا واقتصاديا وماليا ومعيشيا (لا كهرباء ولا ماء ولا بنزين ولا مازوت ولا خبز) وصحيا (لا دواء ولا استشفاء) وأمنيا (تفجيرات واعتداءات على أنواعها).. أما أركان الطبقة السياسية فإنهم ما زالوا يتصرّفون وكأن هناك فعلا سلطة حقيقية يتقاسمونها ويتحاصصونها ويتناكفون عليها في ما يشبه لعبة دمى على مسرحٍ يديره مايسترو واحد، اسمه حسن نصرالله. وعلى هذا المسرح التراجيدي، تظهر حكومة مستقيلة منذ سنة، رئيسها اسمه حسّان دياب، وأعضاؤها شخوصٌ لا ينطقون بكلمة، هم أقرب إلى متحف الشمع. وهناك شخص آخر مكلف تشكيل حكومة جديدة، هو نجيب ميقاتي، يتحرّك منذ شهر، ويدور حول نفسه، منتظرا كلمة السر التي لم يعطها نصرالله بعد، وربما لن يعطيها. وفي الطرف الآخر من المسرح، يجلس على كرسي مريح شخص آخر، يقوم بدور الرئيس اسمه ميشال عون، يستقبل الوفود ويصرّح ويطلق المواقف، ويلتقي سفراء الدول الأجنبية، ويصدر البيانات، ويكابش المكلف تشكيل الحكومة، محاولا فرض شروطه في توزيع الحقائب وفي اختيار الأسماء، ويخوض بالأخص معركة حصة الصهر "سند الظهر"، جبران باسيل الذي يريد أن يورثه كرسي الرئاسة، ظنّا منه أن الحكم في لبنان أصبح ملكيا وراثيا، وهو الذي تخطّى الثامنة والثمانين!

هناك من يقف في صفّ المعارضة اليوم، بعد أن شارك في السلطة سنوات، وفشل في تحقيق أي إنجاز يذكر

يحاول عون تأمين البنزين والمازوت، فيستدعي حاكم البنك المركزي، محاولا انتزاع موافقة الأخير على صرف اعتمادات إضافية من أموال الاحتياط الإلزامي فلا يفلح. أما وزير الطاقة الذي هو من حاشيته فيخرج على اللبنانيين معلنا بالفم الملآن أن سعر صفيحة البنزين سيتضاعف ثلاث مرات، ومن ليس في مقدوره فما عليه، في ظل عدم وجود وسائل للنقل العام، إلا أن يلجأ إلى وسائل النقل البدائية. أما الكهرباء علة العلل، ومزراب الفساد المستشري، فقد بقيت في عهدة الصهر منذ 2010 نحو خمس سنوات، ثم توالى عليها مذاك وزراء عونيون بدون انقطاع، ولبنان يغرق اليوم في العتمة الكاملة! في المقابل، هناك من يقف في صفّ المعارضة اليوم، بعد أن شارك في السلطة سنوات، وفشل في تحقيق أي إنجاز يذكر. وبدل أن يصوب معركته نحو المشكلة الفعلية والمسيطر الحقيقي على القرار، يعلل النفس بزيادة مقاعده في الانتخابات المقبلة، في حال سمح المُمسك بزمام القرار بحصولها، متوهما بإجراء تعديل في الأكثرية، والعودة بقوة الى السلطة المختطفة من حزب مسلح ينشط خارج شرعية الدولة والمؤسسات. ثم هناك الهامشي الذي يجلس على طرف المسرح، يصفق للاعبين الكبار..
إنه مسرح تراجيدي - هزلي بائس، يجسّد معادلة "لكم الكراسي والمناصب ولي السلطة والقرار" التي فرضها حزب الله، منذ رعايته الاتفاق - الصفقة الذي ارتضى سعد الحريري، في نهاية 2016، أن يكون شريكا فيه، محققا حلم عون برئاسة الجمهورية مقابل عودته إلى رئاسة الحكومة. وأول موقف علني ورسمي وواضح، كان إعلان عون، رئيس الدولة والمؤتمن على سيادتها وشرعيتها، بعد شهرين على انتخابه، حاجة الدولة إلى سلاح حزب الله، لأن الجيش لا يزال ضعيفا وغير قادر أن يحمي لبنان بمفرده؟

في كل مرة تدعو الحاجة أو الإيقاع الإيراني إجراء مناوشاتٍ لا أكثر مع إسرائيل يتحرّك حزب الله، مطلقا صواريخ من منطقة عمليات القوات الدولية

ولا كلام طبعا عن تدخل حزب الله في سورية، وإرسال مليشياته للقتال دفاعا عن النظام السوري الذي يقمع شعبه ويقتله ويشرّده، فيما يتباهى رئيس التيار العوني، باسيل، بعلاقته المميزة مع بشار الأسد. ومن وقت إلى آخر، وفي كل مرة تدعو الحاجة أو الإيقاع الإيراني إجراء مناوشاتٍ لا أكثر مع إسرائيل يتحرّك حزب الله، مطلقا بعض الصواريخ من منطقة عمليات القوات الدولية، التي لا يحق له التواجد داخلها بموجب قرار الأمم المتحدة 1701، ليستدعي ردّا إسرائيليا يوظفه في التجييش الداخلي، ولحرف الأنظار عن أحداثٍ تفضح كل اللاعبين على المسرح، ومعهم المايسترو نفسه، كما حصل مع تفجير مرفأ بيروت قبل عام، ما دفع نصرالله إلى شنّ حملة مركزة على مسار التحقيق، وعلى المحقق العدلي نفسه، متهما إياه بتسييس التحقيق، بعد أن أدّى الضغط الذي مارسه، هو وحليفه نبيه برّي، إلى دفع المحقق الأول إلى التنحّي عن الملف. علما أنه لم يتم استدعاء أي مسؤول من حزب الله للتحقيق أو للاستماع إلى إفادته. أما الإنجاز الوحيد الذي حاول الحريري تحقيقه، خلال رئاسته الحكومة، إقناع الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، بتنظيم مؤتمر "سيدر" في باريس في إبريل/ نيسان 2018 من أجل تقديم الدعم للبنان، كي يتمكّن من إجراء إصلاحات بنيوية ضرورية لنظامه الاقتصادي وسياسته الإنمائية ومؤسساته الحكومية. وقد تمكّن هذا المؤتمر بالفعل من تأمين 11 مليار دولار من الدول المشاركة المانحة، لكن حزب الله وحلفاءه لم يمكّنوا الحكومة من إقرار الإصلاحات المطلوبة شرطا للحصول على التمويل، ما اضطر الحريري، في نهاية الأمر، إلى الاستقالة.

الفضيحة الكبرى عندما وقعت مجزرة عكار في شمال لبنان، الأسبوع الماضي، بسبب تفجير خزّان للبنزين المهرّب، وذهب ضحيته نحو ثلاثين شخصا

واليوم وفي خضم هذه الأزمة الخطيرة التي يتخبط بها لبنان، يقف معظم ناسه في طوابير على البنزين والمازوت منذ ساعات الفجر الأولى، وحتى على ربطة الخبز، وتقفل صيدلياتٌ كثيرة، لعدم توفر الدواء، فيما بدأت مستشفياتٌ بإقفال بعض أقسامها لعدم توفر مادة المازوت، ناهيك عن انقطاع التيار الكهربائي وتقنين المولدات الذي يصل إلى 18 ساعة من اصل 24 ساعة... ذلك كله بسبب لجوء المستوردين والتجار إلى التخزين والبيع في السوق السوداء، وبالأخص للتهريب إلى سورية برعاية حزب الله وحمايته، لتزويد النظام السوري بالمحروقات، وهو الخاضع لنظام العقوبات الأميركية والأوروبية، بعد اندلاع الثورة في مارس/ آذار 2011. غير أن الفضيحة الكبرى هي عندما وقعت مجزرة عكار في شمال لبنان، الأسبوع الماضي، بسبب تفجير خزّان للبنزين المهرّب، وذهب ضحيته نحو ثلاثين شخصا، واضطر الجيش للتدخل، وبدأ مداهماتٍ يكتشف معها أن معظم خزّانات التهريب، بعشرات آلاف الليترات في الجنوب والبقاع، هي ملك لمسؤولين أو مقرّبين من حزب الله، أو تابعين لهم. وإذ بنصرالله يطل، قبل أيام، ويزفّ إلى اللبنانيين بشرى انطلاق أول باخرة إيرانية محمّلة بالمحروقات، ومتجهة إلى لبنان، وتليها بواخر أخرى، زعم أنها هبة من الملالي إلى اللبنانيين، فيما سارعت أوساط إيرانية إلى نفي الأمر كاشفة أن متمولين من الطائفة الشيعية تبرّعوا بدفع حمولة الباخرة.

خطوة الباخرة الإيرانية المحمّلة بالمحروقات بمثابة قرصنة تعرّض لبنان لخطر العقوبات الذي تخضع له إيران

غير أن الأخطر أن هذا القرار اتخذه نصرالله بمفرده من دون علم السلطات الرسمية أو بموافقتها، وهي خطوةٌ تشكل تعدّيا على سيادة الدولة وعلى شرعيتها وعلى أحادية قرارها، وخرقا فاضحا لكل القوانين التجارية والعلاقات بين الدول، خصوصا أن حزب الله غير ذي صفة! ومع ذلك، لم يكتف بهذا الخرق، وإنما تحدّى من له القدرة ولديه الجرأة أن يمنع دخول الباخرة إلى مرفأ بيروت وتفريغ حمولتها. ناهيك عن أن هذه الخطوة بمثابة قرصنة تعرّض لبنان لخطر العقوبات الذي تخضع له إيران، والذي يمنع عليها أي عملية استيراد او تصدير مع الدول الأخرى. وبغض النظر عما إذا سيتمكّن حزب الله من إدخالها، وفي أي مرفأ سيتم تفريغها، وتطويع كل الأصول والقوانين المتبعة، وهو في النهاية صاحب القرار وصاحب السطوة والقوة والسلاح، فإن أحدا من المسؤولين لم يبد أي ردة فعل، بدءا برئيس الجمهورية مرورا بالحكومة ووزير الطاقة ومعظم القوى السياسية. وكيف ستكون عليها ردّة فعل الولايات المتحدة التي سارعت سفيرتها إلى تبليغ رئيسي الجمهورية والحكومة بخطورة الأمر. وهل هذا يعني، في المقابل، أن إيران قرّرت "الاستفزاز" من لبنان الذي يملك ورقته نصرالله؟