لبنان... التفاوضُ حلّاً لا مشكلة
أنصار لحزب الله في تجمّع في بيروت (6/7/2025 الأناضول)
يطرح رئيس الجمهورية اللبناني، جوزاف عون، مسألةَ التفاوض مع إسرائيل (وإن يصرّ على أنها غير مباشرة) حلّاً نهائياً لدوّامة العنف المتمادية في الجنوب اللبناني. لم يطرح عون قضية التطبيع أو توقيع اتفاقية سلام مع الإسرائيليين إلا وفق مبادرة القمّة العربية في بيروت عام 2002. في المبدأ، دائماً ما يكون التفاوض، أيّاً كانت صورته، مفتاحاً لحلول قد تبدو مُستعصِية. أمّا ما يُمكن كسبه من التفاوض، فيبقى مرهوناً بالقدرة على الحصول على أكبر قدر ممّا هو متاح أو ممكن.
في سياقات الغزو الروسي لأوكرانيا، طُرح مقترحان، حتى بين الغربيين، يدعو أحدهما إلى وقف النار عبر تجميد النزاع في نقاط القتال الحالية، أي أن توافق أوكرانيا على ترك 19.09% من أراضيها في عهدة الروس، على أن يُتفاوَض بشأنها خلال المفاوضات. الثاني، وهو الأكثر تطرّفاً، يدعو إلى تخلّي أوكرانيا (أقلّه) عن شبه جزيرة القرم التي استولت روسيا عليها في عام 2014، وحتى عن بعض من مقاطعاتها الأربع التي تحتلّ روسيا أجزاءً منها، لوغانسك ودونيتسك وزابوريجيا وخيرسون. يدرك الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أن وضع بلاده العسكري صعبٌ في الوقت الحالي، لذلك يقبل بتجميد النزاع، فيما يرفض الروس أيَّ تفاوض، ما لم يتخلَّ الأوكرانيون عن دونيتسك ولوغانسك بالكامل. ... وحتى موعد عقد جلسة محادثات بين كييف وموسكو، يتواجه جيشان يملك كل منهما نقاطَ قوةٍ ونقاطَ ضعف.
بإسقاط الوضع الأوكراني على لبنان، ما الذي نجده؟ مناطق لبنانية مدمّرة، خصوصاً الواقعة عند الحدود المباشرة مع فلسطين المحتلة، وقدرة عسكرية ضعيفة للدولة اللبنانية، ولحزب الله، بعيداً من أحاديث "الترميم والتعافي"، ورفض المجتمع الدولي دعم لبنان ما لم يسحب السلاح غير الشرعي، ويقوم بالإصلاحات الاقتصادية والمؤسّسية. وبعيداً من عجز إيران عن دعم حزب الله ميدانياً وعلى المستوى السياسي. هنا، يُمكن طرح التفاوض مسألةً مشروعة، لا تتعلّق بحديثٍ بين طرفين يجتمعان لشرب فنجان قهوة، بل بين طرفٍ يدرك أن الحرب لن تفيده، بل ستزيده دماراً وتهجيراً، وطرف منتشٍ بإبادته وجرائمه ولا رادع له. أمّا الانتظار لكسب العالم إلى جانب لبنان فأمرٌ غير وارد، لأن غزّة ليست لبنان.
رفض حزب الله التفاوض، على قاعدة تمادي الاحتلال بعدوانه. حسناً، التفاوض غير المباشر حصل خلال عدوان 1993 وعدوان 1996 وعدوان 2006 وعدوان 2024، وفي أثناء الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان في عام 2000. حصل التفاوض وقتها تحت النار، فما الذي يمنع حصوله الآن؟ ليس الأمر نابعاً من حسن نيّة، بقدر ما هو مرتبط بواقعية مطلوبة لحماية اللبنانيين وإنقاذهم، من الجنوب بدايةً، ثمّ إلى باقي المناطق. أبعد من ذلك، ما البديل من التفاوض؟ تطبيق اتفاق وقف النار؟ ألا يُمكن توظيف مجريات المرحلة الماضية في سبيل تمتين الموقف الرسمي اللبناني، خصوصاً لجهة تأكيد حقّ المواطنين الجنوبيين بإعمار بلداتهم والعودة إليها، بعدما أظهروا رفضهم التهجير الدائم؟ ألا يعني رفض التفاوض تكريساً للتهجير الدائم؟
وإذا كان الحزب، الممثّل في الحكومة اللبنانية، ومانح الثقة البرلمانية للبيان الوزاري، والمشارك في انتخاب الرئيس جوزاف عون، الذي يعتبر الأمين العام لحزب الله، نعيم قاسم، أنه ساهم في وصوله إلى سدّة الرئاسة، لا يثق في عون ولا بحليفه الأساس، رئيس البرلمان نبيه برّي، ولا في رئيس الحكومة نوّاف سلام، في موضوع التفاوض، إذاً بمن يثق؟ وما الحل لديه غير التفاوض؟
المبدأ الأساس هنا ليس متصلاً بالاحتلال الإسرائيلي، في النهاية سيرحلون من لبنان. ما من محتلّ استمرّ في أرض غريبة عنه إلى الأبد. لكن ما الذي يريده فعلاً حزب الله من تمسّكه بسلاحه؟ هنا يبدأ كل شيء، وهنا ينتهي. إسرائيل لن تبقى في أرض الوطن، والجنوبيون أنفسهم اختبروا ذلك بين عامي 1978 و2000. بعد ذلك الأسئلة كلّها مشروعة.