لبنان… ترقب الانهيار

24 أكتوبر 2025   |  آخر تحديث: 03:21 (توقيت القدس)
+ الخط -

شهد لبنان في الأيام القليلة الماضية تصاعداً ملحوظاً في الاختراقات الإسرائيلية، بالتزامن مع التدريبات التي أجراها جيش الاحتلال قرب الحدود اللبنانية لمحاكاة أي مواجهة على "الجبهة الشمالية". لكن هذه المحاكاة تخطت حدود افتراض الخطر، لتصل إلى حدود استجرار أخطار، سواء عبر الغارات الوهمية فوق العاصمة اللبنانية بيروت وضاحيتها الجنوبية، أو عبر تكثيف الغارات في الجنوب والبقاع، والتي وصلت أمس إلى شن أكثر من عشرين غارة على مواقع قالت دولة الاحتلال إنها مراكز تدريب ومصانع أسلحة في الشرق اللبناني.

لم يكن هذا التصعيد مفاجئاً كثيراً، بل كان متوقعاً منذ سبتمبر/ أيلول الماضي، مع انتهاء المهلة الأميركية التي أعطيت للحكومة اللبنانية لوضع خطّة لنزع سلاح حزب الله. كان الرهان الأميركي والإسرائيلي أن تفشل الحكومة اللبنانية في وضع مثل هذه الخطة، إلا أن الحكومة نجحت في كسب بعض الوقت، وكلفت الجيش إعداد الخطة، وهو ما فعله الأخير.

لكن هذا الوقت المكتسب يبدو في طريقه إلى النفاد، خصوصاً أن أي خطوات تنفيذية لم تُرفق بالخطة التي صادقت عليها الحكومة، وبقيت حبراً على ورق. وهو أمر مفهوم بالنظر إلى المخاطر التي قد تحملها أي محاولةٍ من الجيش اللبناني لاقتحام مراكز تابعة لحزب الله تحت ذريعة نزع السلاح. ولا تقف هذه المخاطر عند حدود اندلاع حرب أهلية بين الحزب والقوى الأمنية النظامية، بل تحمل بذور انشقاق داخل هذه القوى، والتي ينتمي كثير من أبنائها إلى البيئة الحاضنة لحزب الله.

هذا الانشقاق اختبره لبنان في سنوات الحرب الأهلية (1975-1990)، إذ كان في بعض المراحل جيشان وحكومتان ووسائل إعلامية حكومية مختلفة ومتناحرة. والأمر من الممكن أن يتكرّر في هذه المرحلة أيضاً، لأن أرضية الانشقاق جاهزة، وهي بحاجة فقط إلى تحفيز ودعم خارجي، وهو أمر ليس بعيداً أيضاً.

ورغم أن الأمر لا يزال غير مطروح، إلا أن السيناريوهات الماثلة أمام لبنان اليوم لا تحمل أي مؤشرات تفاؤلية للمستقبل، خصوصاً بعد تصريحات المبعوث الأميركي للبنان وسورية، توم برّاك، أخيراً، ووضع فيها لبنان عملياً بين واحد من خيارين. وحمّل الحكومة اللبنانية مسؤولية التلكؤ في تحقيق الشروط الأميركية، ملوحاً بإمكان اندلاع مواجهة جديدة مع إسرائيل بغطاء أميركي كامل. هذا الأمر عملياً، ووفقاً لمسار الأوضاع في الأيام الماضية، في طريقه إلى الحدوث، خصوصاً في حال نفّذ حزب الله تهديداته بالرد على التصعيد الإسرائيلي، والذي كانت أخطره غارات أمس.

الترقب الآن سيد الموقف في لبنان، والاستعداد للأسوأ هو حال اللبنانيين. لا تشير التوقعات اليوم إلى أن الحزب سيلجأ إلى التصعيد، فرغم "مباهاته" بإعادة ترميم قدراته العسكرية، وهو أمر غير مؤكّد، إلا أن من المستبعد أن يجازف بتعريض بيئته بالدرجة الأولى، واللبنانيين عموماً، إلى مخاطر تهجير وتدمير في وقت لم يعُد فيه مهجّرون كثيرون إلى بيوتهم التي غادروها خلال حرب العام الماضي، فيما لا يزال كثيرون بلا بيوت في ظل عدم انطلاق ورشة إعادة الإعمار.

رغم ذلك، لا تنتظر إسرائيل رد فعل حزب الله للتحرك، لا سيما أنها اليوم تتبنّى فكرة الحروب الاستباقية بعد عملية طوفان الأقصى قبل عامين، وهو ما تفعله في لبنان وفي سورية والعراق، وحتى اليمن. وبالتالي، من غير المستبعد أن تفتح دولة الاحتلال الجبهة اللبنانية في أي وقت بعد أن تطمئن إلى سريان وقف إطلاق النار على جبهة غزة.

وإذا كان هذا الخيار الأول الذي وضعه برّاك أمام الحكومة اللبنانية، فإن الخيار الثاني لا يقل سوءاً، وهو ترك لبنان لنفسه وحل مشكلاته، ما يعني وقف الدعم المادي والسياسي عن الدولة اللبنانية، وربما فرض عقوبات اقتصادية تطاول مؤسسات الدولة، مع ما يعني ذلك من دمار اقتصادي في بلد يعيش على حافة الإفلاس ويقتات على المعونات الخارجية. ومثل هذا الوضع أيضاً سيقود إلى احتجاجات داخلية قد تصل إلى حدود المواجهات، التي لا يُستبعد أن تقود إلى حرب أهلية.

الخياران أمام لبنان اليوم يضعان البلد على شفير الانهيار، والإنقاذ يحتاج إلى معجزة لا أفق لحدوثها.

حسام كنفاني
حسام كنفاني
صحافي لبناني، يشغل حاليًا منصب مدير قطاع الإعلام في فضاءات ميديا، له منشورات في عدّة صحف لبنانية وعربية. يعمل في مجال الصحافة منذ أكثر من 25 عامًا، وهو من مؤسّسي موقع وصحيفة "العربي الجديد".