لا يمنح العلمُ حصانةً أخلاقية

26 ديسمبر 2025

جيمس واتسون في مكتبه في مختبر غولد سبرينغ هاربور في نيويورك (10/6/2015 Getty)

+ الخط -

في الأيام الأولى من ديسمبر/ كانون الأول الحالي، رحل العالِم الأميركي جيمس ديوي واتسون عن 97 عاماً، بعد مرض قصير في إحدى دور الرعاية في نيويورك. إنه، لمَن لم يسمع به، عالِم أحياء جزيئية ورائد في عِلم الوراثة، اكتشف مع زميلَيه فرانسيس كريك وموريس ويلكنز في 1952 البنية الحلزونية المزدوجة، أو ما يعرف "DNA"، وهو أحد أهم الاكتشافات العلمية في تاريخ البشرية، لأنه استطاع كشف سرّ الحياة من خلال كيفية تخزين المعلومات الوراثية ونقلها عبر الأجيال البشرية. حوّل هذا الاكتشاف المذهل الحياة إلى معلومة وDNA إلى شيفرة يمكن نسخها ونقلها وتعديلها، وحوّل البيولوجيا إلى جزء من أجزاء المعلوماتية، وربط الطبّ بعلوم الرياضيات والفيزياء والكيمياء بعد أن كان عِلماً مستقلّاً بذاته.
ولا يخفى ما لـDNA من أهمية في حياتنا حالياً، وكم ساهم اكتشافه في تطوّر الطب وزيادة معدّل عمر الإنسان. فإذا بدأنا بسرد ما نتج من هذا الاكتشاف، فسنحتاج إلى صفحات كثيرة، لكن ربّما من المفيد اليوم استعادة بعض هذه النتائج لما لها من تأثير بالغ الأهمية في حياتنا اليومية. فهذا الاكتشاف ساعد في جعل غامض الأمراض والمستعصي منها قابلاً للفهم وقابلاً للتشخيص قبل حدوثها، وساعد في تطوير العلاجات الذاتية المتناسبة مع الجين الخاص بكلّ مريض، واكتشاف علاجات تحدّ من انتقالها. أمّا الأهمية الأخرى فهي في استخدام DNA في الطبّ الشرعي، خصوصاً في اكتشاف ضحايا الحروب والكوارث الجماعية، ولمّ شمل العائلات المُشتَّتة، وتبرئة متّهمين سُجِنوا أو أُعدِموا ظلماً، حتى صارت البيولوجيا جزءاً رئيساً من العدالة. أمّا الأجمل في اكتشاف DNA، فهو إثبات أن البشر متشابهون بشكل مذهل، ما أعاد النظريات العِرقية إلى الصفر، وجعل من نظرية التفوّق والنقاء العرقي مجرّد وهم وسردية استعلائية استعمارية لا غير. فالعرق الآن مجرّد مفهوم اجتماعي بعد أن قيل طويلاً إنه حقيقة بيولوجية، فالبشر متشابهون وراثياً بنسبة 99%، والاختلافات داخل المجموعة الواحدة أكبر منها بين المجموعات المتعدّدة.
غير أن جيمس ديوي واتسون، مكتشف الشيفرة المشتركة بين البشر، كان صاحب خطاب تفاضلي وتمييزي في استنتاجات شخصية له تتعلّق بالذكاء؛ إذ كان يرى أن هناك جماعات بشرية أقلّ ذكاءً "جينياً" من جماعات أخرى، قاصداً السود تحديداً، وكل مَن هو ليس أبيض عموماً، مناقضاً بهذا التصريح العنصري ما فتحه اكتشافه "DNA" من نوافذ التشابه الجيني، في أشهر حالة بارادوكس أخلاقي (تناقض) يمكن أن يعيشها عالِم كبير مثل واتسون، الذي لم تقتصر تصريحاته العنصرية على هذا التصريح، فهو كان معروفاً أيضاً بآرائه الجنسانية المتطرّفة ضدّ النساء، واعتبارهن أقلَّ قدرة على المعرفة وإنتاج العِلم من الرجال، وهنَّ (بالضرورة) لا يستطعن استنباط براهين ونظريات، ولا يمكنهن أن يكنَّ عالِمات، وحارب طويلاً وجود نساء في نفس موقعه، في ظاهرة تناقض أخرى مثيرة للدهشة في شخصية هذا العالِم الفذّ. هذه التصريحات المتواصلة منه جعلت كثيراً من المراكز العلمية تعيد النظر في علاقتها به، وجُرّد من بعض ألقابه الشرفية والعلمية. ومع ذلك، لم يتراجع عن أيٍّ من آرائه ونظرياته حتى لحظة رحيله.
تدلّ سيرة حياة واتسون على أن العِلم لا يمنح حصانةً أخلاقية، والفرادة والعبقرية العلمية لا تنتجان (بالضرورة) وعياً إنسانياً متقدّماً. استخدم واتسون العِلم، الذي جعله يكتشف ما يساهم مباشرة في تحسين حياة البشر وعلاقاتهم، في تكريس الخلافات العميقة بينهم، متجاهلاً سياقات تاريخية من استغلال واستعمار وإفقار وإقصاء تجعل مجموعة ما أقلَّ قدرةً على مواكبة التطور من مجموعات أخرى؛ اكتشافه ساهم في جعل العدالة ممكنة، لكنّه شخصياً لم يكن عادلاً، ولم يكن موضوعياً حتى في علاقته مع العِلم؛ فهو ظنّ أن مكانته العلمية تعفيه من مراجعة نفسه وتعفيه من الإصغاء إلى انتقادات محبيه. سيرته تدل أيضاً على أن العبقرية مهما كان نوعها، إن لم تترافق مع تواضع وذكاء إنساني، فإنها ستطيح صاحبها وتعيده إلى أنساقٍ خلفيةٍ في الوعي البشري.

BF005AFF-4225-4575-9176-194535668DAC
رشا عمران

شاعرة وكاتبة سورية، أصدرت 5 مجموعات شعرية ومجموعة مترجمة إلى اللغة السويدية، وأصدرت أنطولوجيا الشعر السوري من 1980 إلى عام 2008. تكتب مقالات رأي في الصحافة العربية.