لا نصف استسلام ولا ثلاثة أرباعه

22 أكتوبر 2025   |  آخر تحديث: 02:35 (توقيت القدس)
+ الخط -

لا شيء من المجاز في القول إنّ بلدان المشرق العربي أصبحت منطقة نفوذ إسرائيليّة بسبب عملية طوفان الأقصى وجبهة حزب الله الانتحارية إسناداً لغزّة. أحد أشكال العيش في العصر الإسرائيلي أن تصبح الدولة العبرية غير معنية بعقد اتفاقات، تنتج عن مفاوضات مباشرة أو غير مباشرة، مع بلدان عربية لا يكون عنوانها الاستسلام المطلق والتامّ لها بلا أيّ تفاوض أو أخذٍ وردّ، مع تنازل المعنيين العرب عن أراضٍ محتلة، وقبولهم شروطاً أمنية من نوع مناطق معزولة من السلاح، وصولاً إلى تحديد هوية من يرأس بلديةً في منطقة حدودية، ومن يتولى منصب ناطور حيّ مصنّف أنه حيوي لأمن إسرائيل. لا داعي لإثبات عدم رغبة الحكومة الإبادية الحاكمة في تل أبيب بأيّ سلام يستحق اسمه مع أيّ طرف عربي. لكن الجديد أنّ إسرائيل، بعد انتصاراتها الحربية، دفنت السياسة وجعلت قوانين الحرب بمثابة دستورها. لا يُرصد ذلك في الضفة الغربية وقطاع غزة، ذلك أنهما في حسابات حكومة نتنياهو وغالبية الإسرائيليين، منطقتان إسرائيليّتان. وما كان حصرُ الحكومة الإسرائيلية مهمّة التفاوض في ما يخص غزّة، منذ الأشهر الأولى لحرب الإبادة، بمسؤولي أجهزة الأمن لا بمفاوضين سياسيين من وزارة الخارجية مثلاً، إلّا إعلاناً مبكّراً عن إلغاء حكومة نتنياهو كلمة سياسة من قاموسها. ولم يكن قصف الدوحة في التاسع من الشهر الماضي (سبتمبر/ أيلول) إلّا إشهاراً رسميّاً لشطب مصطلح التفاوض والوساطات والاتصالات من جدول أعمال حكومة إسرائيلية بهذا القدر من الدموية.

كان المسؤولون السوريون سبّاقين إلى عرض توقيع نصف استسلام بموجب اتفاق يضمن لإسرائيل منطقةً جنوب دمشق منزوعة من السلاح الثقيل والمتوسط، وممرّاً يربط الجولان بالسويداء، لكن من دون إقرار سوري حكومي بإسرائيليّة الجولان، على أَلّا يعني ذلك وضع استعادة الهضبة المحتلة على جدول أعمال حكومة دمشق. ولمّا كان هناك طلب سوري في المفاوضات التي جمعت أسعد الشيباني ورون ديرمر وقبلهما من ينوب عنهما، هو انسحاب إسرائيل من المناطق التي احتلتها منذ سقوط نظام الأسد، أي العودة إلى اتفاقية الهدنة (1974) وحدودها، ووقف الغارات والقصف والاقتحامات داخل الأراضي السورية، أبلغت إسرائيل من يهمّه الأمر، ومن ضمنهم الأميركيون، بأنّ لا مصلحة لديها بتقديم أيّ وعد أو كلمة أو تعهد أو تنازل طالما أنها قادرة على أخذ كل ما تريده بالوسائل الحربية، وربما أكملت بلاغها بإهانةٍ من صنف "ليبلّ جماعة الضامن الروسي والحامي التركي خرافاتهم ويشربوا ماءها".

جاء الدور على لبنان، لكي يعرض رسمياً من خلال رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس البرلمان نبيه برّي إجراء مفاوضات مع إسرائيل، وقد حمل العرض توم برّاك وعاد برفض إسرائيلي على ما كشفه نبيه برّي لصحيفة الشرق الأوسط أول من أمس الاثنين. ولمّا كان برّي حاملَ ختم حزب الله اليوم وفي الأمس (اتفاق 2006 ثم ترسيم الحدود البحرية الذي أعطى إسرائيل غازاً وترك للبنان ماءً مالحاً) ومتحدّثاً باسمه، خصوصاً مع الخارج، أمكن فهم أن إسرائيل غير مهتمة بثلاثة أرباع استسلام، بل مصرّة على رؤية الأصابع العشرة مرفوعةً، مع أنّ العرض اللبناني بالتفاوض بحسب تسريبات محلية شمل سحب سلاح حزب الله، وتثبيت الحدود وضمان أمنها، مقابل وقف العدوان والانسحاب الإسرائيلي من المناطق التي تحتلها منذ حرب العام الماضي.

لا مصلحة لنتنياهو وزمرته بإعادة إحياء السياسة من خلال اتفاقات جزئية مع بلدان عربية. تلك مصلحة أميركية لا إسرائيلية تتعلق بتشبيح دونالد ترامب ونرجسيّته وخوائه، ورغبته باستعراض نفسه بطلاً للعالم في إحلال سلام بإيماءة وغمزة بلهاء. أمّا حكّام إسرائيل، فينظرون إلى أنفسهم في المرآة؛ يدركون جيداً أحوال البلدان العربية، ويعضّون على جرح عزلتهم العالمية ويقولون لأنفسهم: السياسة والقانون للضعفاء، والحرب والدم للأقوياء، وإن لم نحقق كل شيء اليوم فلن نحقق شيئاً غداً.

أرنست خوري
أرنست خوري
مدير تحرير صحيفة "العربي الجديد".