لا شيء يوقف زحف الوباء في تونس

لا شيء يوقف زحف الوباء في تونس

05 يوليو 2021
الصورة

تونسية مصابة بكوفيد تتلقى الأكسجين في مستشفى في القيروان (4/7/2021/فرانس برس)

+ الخط -

بعد أسبوعين من الحجْر الصحي الذي فرض في أكثر من عشر محافظات، وما زال العدد مرشحاً للارتفاع، لا شيء يبرهن أنّ وباء كورونا في تونس بصدد التراجع، بل سُجّلت أرقام قياسية لم تعرفها البلاد منذ بدأت إجراءات الحجْر في محاولة لكسر حلقة العدوى منذ مارس/ آذار 2020. وبعد سنة ونصف السنة من جائحة كورونا، تحتل تونس حالياً المرتبة الأولى عربياً وأفريقياً في نسبة الوفيات مقارنة بعدد السكان.
في مثل هذه الأيام من السنة الماضية كانت تونس قد سجّلت، للشهر الثاني على التوالي، صفر إصابة، وظلّ الأمر يتكرّر خلال كامل أشهر موسم الصيف، ما أتاح للناس استئناف حياتهم العادية في موسم له خصوصيته: عودة المواطنين المقيمين في الخارج والقادمين في عطل صيفية، مواسم الأفراح، السياحة الشاطئية الداخلية حيث تنتشر العائلات، حتى المنتمية إلى الفئات الوسطى، على شواطئ البلاد الممتدّة والواسعة. كانت تونس تقدّم آنذاك قصة نجاح أشادت بها منظمة الصحة العالمية، غير أنّ ذلك لم يدم طويلاً، وتحوّل الوباء إلى حصاد أرواحٍ مقيت.
رائحة الموت تطوّق تونس، كما صرح مدير الصحة في محافظة سوسة قبل أيام. ولا شيء يدلّ على أنّ إجراءات الحجر الصحي كان لها أثر ملموس، إذ سجّلت البلاد أرقاماً قياسية، سواء في عدد الإصابات أو الوفيات، حتى وهي تحت الحجر الصحي، فضلاً عن انهيار وشيك للمنظومة الصحية. والأكيد أنّ جملة من الإخلالات حالت دون أن تدرك هذه الإجراءات أهدافها. يذكر عديدون من أعضاء اللجنة العلمية فرضياتٍ أولية يقدّمونها من أجل فهم هذه الخيبة، لعلّ أهمها أنّ الحجْر الصحي، حتى وإن تم التمديد فيه، لا يأتي أكله، إذا لم تصاحبه إجراءات تعرف بـ"الخمسة المبكرة" وهي عموماً؛ التقصّي المسبق للإصابات المنتشرة في أوساط السكان، وتحديد أثر إصابات في الشبكات الاجتماعية للعلاقات المباشرة، والعزل المسبق للحالات المكتشفة وتعهدها بالمتابعة والمعالجة... إلخ.

غياب الانسجام الحكومي والتفكك الحاصل بين المؤسسات السيادية للدولة أفقدا العمل الحكومي نجاعته، خصوصاً في مقاومة الوباء

وعلى الرغم من أهمية هذه الإجراءات الصحية الوقائية التي من شأنها تعزيز محاصرة الوباء، فإنّ الإخفاق الذريع يعود إلى المناخ الاجتماعي والسياسي الذي رافق الموجات الأخيرة من الوباء، وتحديداً منذ الشتاء الماضي، فبعد رحيل حكومة إلياس الفخفاخ وإقالة وزير الصحة آنذاك، عرفت البلاد حالة من عدم الاستقرار السياسي، بما فيها التسميات في وزارة الصحة، ذلك أنّ الوزير الحالي، على الرغم من أنّه مقال، ظل مباشراً مهمته في ظروف عسيرة، شحّت فيها الموارد. غياب الانسجام الحكومي والتفكك الحاصل بين المؤسسات السيادية للدولة أفقدا العمل الحكومي نجاعته، خصوصاً في مقاومة الوباء. إذ تعثرت، لهذه الأسباب، جهود الحكومة في جلب اللقاحات في الآجال المثلى، خصوصاً في ظلّ الأزمة المالية الحادّة التي تشهدها البلاد. كما أنّ الحالة التي عليها المؤسسات الاستشفائية العمومية التي تشكو منذ عقود من شحّ في الموارد المالية والبشرية عمّقت حالة الإخفاق في مواجهة الوباء، إذ يعود إنشاء معظم المؤسسات الاستشفائية إلى عشرية الاستقلال (عام الاستقلال 1956) التي شيّدت فيها أكبر المؤسسات الصحية العمومية، بل إنّ بعضها ورثته البلاد من السلطة الاستعمارية. ومع ذلك، استطاعت تونس، في أقل من عقدين، تخريج عشرات الآلاف من الأطباء، سرعان ما أصبحوا رأسمالاً بشرياً يؤمن الخدمات الصحية للمواطنين، ويساهم بعضهم ممن يباشرون القطاع الخاص في ازدهار السياحة الاستشفائية التي انتعشت في العقود الأخيرة، إذ يقصد البلاد سنوياً آلاف من المرضى من ليبيا والجزائر.

لا يتوقع أن يتراجع الوباء في تونس، ما لم يتم التحلي بالحدّ الأدنى من الإجراءات الاجتماعية الصحية

ما خذل البلاد والجيش الأبيض، على الرغم من كلّ الجهود الجبارة في مكافحة الوباء، لا يعود إلى هذه الأسباب فحسب، على أهميتها، بل إلى أسباب اجتماعية ثقافية، لعلّ أهمها حالة الإنهاك الوبائي التي تعرفها المجتمعات، خصوصاً حين يطول فيها الوباء، ذلك أنّ هذه المجتمعات "تطبّع مع الموت" فيصبح حالة عادية يختزلها الوجدان في أرقام تتوالى، ولا تثير أيّ ردود أفعالٍ من شأنها أن تعزّز مقاومة الوباء، على الصعيدين الفردي والجماعي. في مواجهة الوباء، تتكلس مشاعر الحيطة والحذر، وتسود حالة من الارتخاء، فيتسارع زحف الوباء. وقد سُجلت، قبل أكثر من نصف شهر، حالات نادرة من النسخة الهندية المتحورة "دلتا" ثم سرعان ما أصبحت النسخة طاغية، إذ بدأت تفتك بفئاتٍ عُمرية غير معهودة، على غرار الشباب والأطفال، علاوة على سرعة انتشارها وخطورة أعراضها.
لا يتوقع أن يتراجع الوباء في تونس، ما لم يتم التحلي بالحدّ الأدنى من الإجراءات الاجتماعية الصحية، إذ تفيد التقديرات بأنّ نسبة الالتزام بالكمّامة متدنية، إذ لا تتجاوز 25 % من مستعملي الفضاءات العامة، ما يبرهن على حالة التهوّر التي غدت سمةً ثابتة في السلوكيات، إذ يبدو تقدير المخاطر ضعيفاً، فالناس يستبعدون أن يصابوا بالوباء، حتى وهم يقفون في جنائز ضحاياه، كما أنّ فكرة غريبة تشيع، أنّ الوباء لا يفتك إلّا بالآخرين.