لا خوف من عودة ترامب .. الخوف من الأسوأ

لا خوف من عودة ترامب .. الخوف من الأسوأ

16 اغسطس 2021
الصورة
+ الخط -

مرّ يوم 13 أغسطس/ آب، ولم يعد الرئيس الأميركي السابق، دونالد ترامب، إلى المكتب البيضاوي، كما روّج كثيرون من أصحاب نظرية المؤامرة وأتباع جماعة كيو أنون (QAnon). والحال أن كثيرين من مروّجي هذه النظرية لا يؤمنون بها هم أنفسهم، ولكنهم يستخدمونها لإبقاء جذوة التأييد للرئيس المهزوم مشتعلة. أكبر هؤلاء المروّجين مايك ليندل، الرئيس التنفيذي لشركة MyPillow، وهو رجل أعمال مؤيد لترامب، وقد نشر معلوماتٍ مضلّلة تدّعي أن انتخابات 2020 كانت مزوّرة، وأن ترامب سيعود بحلول 13 أغسطس/ آب 2021. وفي شهر يونيو/ حزيران، أخبر ترامب نفسه أشخاصا أنه على اتصال بهم أنه يتوقع إعادته بحلول أغسطس.
يزعم أتباع "كيو أنون" أن الرئيس السابق يحارب سرّاً عصابة من المتحرّشين جنسياً من الأطفال، تضم ديمقراطيين بارزين ونخبا من نجوم هوليوود وحلفاء "الدولة العميقة"، وأن الرئيس جو بايدن مغتصب للسلطة، بل يقول بعضهم إن بايدن لا يحكم، وأن الجيش هو من يحكم، بانتظار عودة ترامب إلى منصبه.
اخترع المؤمنون بهذه النظرية عدة تواريخ سابقة لعودة ترامب إلى منصبه، مثل يوم التنصيب (20 يناير/ كانون الثاني) و4 مارس/ آذار يوم التنصيب القديم قبل الرئيس دوايت أيزنهاور، ثم 13 أغسطس/ آب. لم يعد ترامب في أيِّ من هذه الأيام، ويمكن القول، بكلّ ثقة، إنه لن يعود إلى السلطة، لا اليوم، ولا في الانتخابات الرئاسية المقبلة، ولا في أي يوم. ومعظم من يروّج مسألة إعادته يعرفون في أعماقهم أن الأمر مستحيل دستوريا وواقعيا، يخادعون الأمة، وما يخدعون إلا أنفسهم، وهم يعلمون.

قوبل تدهور وضع ترامب في صفوف حزبه بحماس من المحافظين الذين لا يرغبون في أن يُحكم ترامب قبضته على الحزب الجمهوري

تتراجع أسهم ترامب يوما بعد يوم، ويبدو كشجرة تتعرّى من الأوراق يوما بعد يوم. في تكساس، خسر أحد مرشّحيه جولة انتخابية خاصة أمام منافس جمهوري آخر. وتمّ قبل أيام التصويت في مجلس الشيوخ على مشروع قانون البنية التحتية بدعم من الحزبين، على الرغم من معارضة ترامب له، ولم يكن هناك شعور بأن أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين يحسبون حسابا لغضبه، ولا يتوقع أن يحشد أنصار ترامب اجتماعات كبرى انتصارا له.
وقد حكم قاض على ترامب بأن يسلّم وثائقه الضريبية إلى مكتب المدّعي العام في ولاية نيويورك، بينما تمّ تجريد محاميه، رودي جولياني، من رخصة ممارسة المحاماة، ورفعت ضدّه وضدّ محامية أخرى، هي سيندي باول، دعاوى قضائية، بتهمة نشر ادّعاءات كاذبة ضدّ الشركة المصنّعة لآلات فرز الأصوات في الانتخابات. وأحيل المدير المالي لمجموعة ترامب، ألين وايسلبيرغ، إلى القضاء لارتكابه جرائم عديدة، بما في ذلك التآمر والسرقة الكبرى والاحتيال الضريبي وتزوير السجلات التجارية. وأخيرا حذفت قناة فوكس نيوز اليمينية مقطعا من مقابلة أجرتها معه، وهو ما لم يحدُث مع أي رئيس سابق أبدا.
وقد قوبل تدهور وضع ترامب في صفوف حزبه بحماس من المحافظين الذين لا يرغبون في أن يُحكم ترامب قبضته على الحزب الجمهوري، لجملة أسباب: أولها أن كثرة من الجمهوريين يريدون أن يخبو نجم ترامب، ببساطة لكي يحلّوا محلّه، ومنهم حاكم فلوريدا الترامبي، رون ديسانتس، وعضوا مجلس الشيوخ، جوش هاولي وتوم كوتون، وجميعهم يفكّر جديا في خوض الانتخابات في 2024. أما الجمهوريون ذوو الأنماط الأكثر ترامبية، مثل النائبين مات غيتس ومارغوري تايلور غرين، فليسوا أكثر من انتهازيين، وليسوا تلامذة حقيقيين لترامب، فغيتس متهم بممارسة الجنس مع فتيات قاصرات، وتيلر غرين متورّطة بأكثر من فضيحة وزلّة لسان، ويريد الاثنان أن يحتميا بحمى ترامب الذي بات، هو نفسه، يبحث عمّن يحميه.

ثمة حفنة من السياسيين التقليديين البراغماتيين الذين يحتقرون ترامب في أعماقهم، لكنهم يستغلونه حين يكون هذا في مصلحتهم

الفئة الثانية من الجمهوريين الراغبين بوضع حدّ لنفوذ ترامب هي الجمهوريون التقليديون المحترمون الذين يعتبرون حزبهم امتدادا لحزب أبراهام لينكولن، ويريدون حزبا محافظا على كل التقاليد والقيم الأميركية، مثل النائبين آدم كينزنغر وليز تشيني. .. وثمّة إلى ذلك حفنة من السياسيين التقليديين البراغماتيين الذين يحتقرون ترامب في أعماقهم، لكنهم يستغلونه حين يكون هذا في مصلحتهم، مثل زعيم الأقلية في مجلس الشيوخ ميتش ماكونيل، ورئيس مجلس النواب الأسبق جون باينر.
لا يعني هذا أن ترامب فقد تأثيره على الحزب الجمهوري تماما، فالرجل لا يزال يتمتّع بتأييد مطلق من قاعدة اجتماعية واسعة، تتمركز في وسط أميركا وجنوبها، بين الذكور البيض الأكثر تعصبا وعنصرية، وهم نسبةٌ لا يستهان بها، ولا يريد القادة السياسيون المغامرة بفقدان هذه القاعدة. والعرف السائد في واشنطن أنك قد تستطيع معارضة ترامب بشكل غير مباشر، أو الفوز من دون موافقته، ولكن لا يمكنك، إن تحدّيته شخصيا، أن تتوقّع وقوف ناخبين كثيرين وراءك. ولذلك تجد الحزب الجمهوري في مأزق حقيقي، فهو إن ساير ترامب في ادّعاءاته بأن انتخابات 2020 سُرقت منه، خسر الفئة العقلانية من الجمهوريين والمحافظين وفي أوساط الحياديين ممن يقف في الوسط بين الحزبين. وإن وقف في وجه ترامب وادّعاءاته الفارغة، خسر أنصار ترامب المتعصبين له، أكان على صواب أم على خطأ.

انتهى مستقبل ترامب السياسي، ولكن هذا لا يعني ألا يأتي إلى البيت الأبيض من هو أكثر منه عنصرية

تتحوّل جماعة ترامب في أميركا شيئا فشيئا إلى طائفة متعصّبة مغلقة (cult). وككل طائفة متعصبة، ما يسيّرها هو الانقياد الأعمى وراء زعيم الطائفة، والانسياق وراء المشاعر وتحطيم العقل والابتعاد عن العلم. ونرى ذلك في جملة من الجوانب، لعل أبرزها اعتبار "كوفيد 19" مؤامرة لإطاحة ترامب، ورفض التلقيح والكمّامة، والإيمان المطلق بأن ترامب فاز في الانتخابات وسيعود إلى البيت الأبيض، منتصرا على صهوة جواد أبيض، حتى قبل انتخابات 2024. وهم مستعدّون للتضحية بكل القيم الأميركية في سبيل تحقيق ذلك، ولا يستبعدون انقلابا عسكريا يعيد ترامب إلى الحكم على طريقة ميانمار، بل هم يدعمون ذلك. وهذا ما يجعل الديمقراطية الأميركية في مواجهة امتحان حقيقي. وقد يكون من المبالغة التذكير بأيام هتلر الأولى، أو صراع ستالين مع تروتسكي وكامينيف وزينوفييف وبوخارين، واستفراده بالسلطة، ولكن الحذر ضروري دائما. ولا بأس أن نتذكّر أن النازيين معروفون على نطاق واسع، فقد حصلوا على 3% من الأصوات في انتخابات الهيئة التشريعية للرايخ (البرلمان النازي) عام 1924. وفي انتخابات عام 1932، حصل النازيون على 33% من الأصوات، أي أكثر من أي حزب آخر. وفي يناير/ كانون الثاني من عام 1933، تم ترشيح هتلر مستشارا، أي رئيس الحكومة الألمانية، واعتقد ألمان كثيرون أنهم قد عثروا على المنقذ لأمتهم، ثمّ وقعت الواقعة التي احتاجت ستين مليون قتيل لإزالتها.
لست على هذه الدرجة من التشاؤم بعد. قبل شهور من انتخابات الرئاسة الأميركية في نوفمبر/ تشرين الثاني 2020، غامرت، على صفحات "العربي الجديد"، بتوقع أن دونالد ترامب سوف يخسر الانتخابات ويغادر البيت الأبيض. وأغامر اليوم بالقول إن مستقبل الرجل السياسي قد انتهى بالفعل، ولكن هذا لا يعني ألا يأتي إلى البيت الأبيض من هو أكثر منه عنصرية وانغلاقا وجهلا وعداء للمرأة والأقليات، .. والبشرية عموما.