لا تظلموا الأقدار .. وقد خُلقتم أكفَاء أحرار

23 أكتوبر 2020
الصورة

(معمّر مكي)

+ الخط -

لا يزال عبد الرحمن الكواكبي يؤدي بيانه في متطلبات الرقي في الإدراك والأفكار، والسلوك والأعمال، في ضرورات الوعي ولوازم السعي، ليؤكد معاني المسؤولية الجماعية المستندة إلى قاعدة من الوعي الجمعي، ذلك أن بعضهم قد يرى من خلال مناهج تفكير عليلة، ونماذج من الحركة كليلة، فيحيل مسائل الفشل وعدم النجاح إلى القدر المتربص بهم في محاولةٍ لإبراء الذمة، وتبرير معاني الاستقالة الحضارية، والقعود عن الحركة اللازمة للنهوض في هذا المقام. وضمن هذه الرؤية، يقدّم الكواكبي هذا الخطاب، ليرد الأمور إلى نصابها، ويحدّد المسؤولية عن الفشل فيها، ومسؤولية الجماعة عن فعل البطالة الحضارية، ومن ثم فإنه يذكّر كل هؤلاء بتلك القابليات التي تشكل، في حقيقة الأمر، تكريسا لهذه لحال من الفشل والتخلف، بما تشكله من تحدّياتٍ على طريق الرقي والنهوض. ويؤكد أن تلك الشكوى الزائفة لا يمكن بأي حال أن ترفع المسؤولية الجماعية عن هذه الأوضاع في إطار ظواهر تتعلق بالقعود عن الإصلاح وعدم النهوض بالتعليم والشكوى من الفقر، وحال الإذعان المغلف بالعجز، وحال الإهمال المسكون بالتهاون، وحال التحمّل والإقرار والإقامة على ظلم الضعفاء والرضا بقهر الأقوياء في إطار الجهل بالأسباب، فيحيلون ذلك إلى القدر، وهو أمر خطير في مناهج التفكير. 

فعل الكرامة الإنسانية يقتضي اختيار الحرية، كما أن استمراء المظالم يوطّن النفوس على الصغار والإذلال والهوان والجبن

"يا قومُ: هوَّن الله مصابكم، تشكون من الجهل، ولا تنفقون على التعليم نصف ما تصرفون على التدخين، تشكون من الحكَّام، وهم اليوم منكم، فلا تسعون في إصلاحهم، تشكون فقد الرابطة، ولكم روابط من وجوهٍ لا تفكِّرون في إحكامها. تشكون الفقر ولا سبب له غير الكسل. هل ترجون الصَّلاح وأنتم يُخادع بعضكم بعضاً ولا تخدعون إلا أنفسكم؟ .. ترضون بأدنى المعيشة عجزاً تُسمّونه قناعة، وتهملون شؤونكم تهاوناً تُسمّونه توكُّلاً! تموِّهون على جهلكم الأسباب بقضاء الله وتدفعون عار المسببات بعطفها على القدر، ألا والله ما هذا شأن البشر!.. لا تظلموا الأقدار، وخافوا غيرة المنعم الجبّار. ألم يخلقكم أكفاءً أحراراً طلقاء لا يثقلكم غير النّور والنسيم، فأبيتم إلا أن تحملوا على عواتقكم ظلم الضعفاء وقهر الأقوياء؟! .. ماذا استفدتم من هذا الخضوع والخشوع لغير الله؟ وماذا ترجون من تقبيل الأذيال والأعتاب وخفض الصوت ونكس الرأس؟".

ويخاطب الكواكبي قومه إلى فعل التفاوت بين الأفراد والطبقات، والذي هو من فعل ظلم الإنسان للإنسان، وأن من مقتضيات الرقي، في هذا المقام، أن نتفهم الأسباب الحقيقية لهذا التفاوت الطبقي، والذي يؤدي إلى ظلم كثيرين من الخلق لفعل المساواة، من حيث أن الكرامة الإنسانية مسكونة بتلك المساواة، فما خلقهم الله إلا أكفاء أسوياء. "يا قوم: رفع الله عنكم المكروه، ما هذا التفاوت بين أفرادكم، وقد خلقكم ربكم أكفاء في البنية، أكفاء في القوة، أكفاء في الطبيعة، أكفاء في الحاجات، لا يفضل بعضكم بعضاً إلا بالفضيلة، لا ربوبية بينكم ولا عبودية؟ والله؛.. يا أعزاء الخلقة، جهلاء المقام، كان الناس في دور الهمجية، فكان دُهاتهم بينهم آلهة وأنبياء، ثمَّ ترقّى النّاس، فهبط هؤلاء لمقام الجبابرة والأولياء، ثمَّ زاد الرّقي فانحطَّ أولئك إلى مرتبة الحُكَّام والحكماء، حتى صار النّاس ناساً فزال العماء، وانكشف الغطاء، وبان أنَّ الكلَّ أكفاء. فأناشدكم الله في أي الأدوار أنتم؟ ألا تفكِّرون؟".

صناعة النفوس الأبية من متطلبات النهوض والرقي وإرادات الشعوب الحية.

إنما يعود سلوك الخنوع والإذعان والاستعباد إلى إدراك الناس وفعلهم معنى العزة وطلب الرفعة، فيختارون ما بين خضوع مذل وعلو ناهض، وذلك من جملة ما يقومون على اختياره بإرادتهم، فإن الظلم قد أتاهم من أنفسهم، ذلك أن فعل الكرامة الإنسانية يقتضي اختيار الحرية، وأن استمراء المظالم يوطّن النفوس على الصغار والإذلال والهوان والجبن، وأن الحياة بعزة هي الحياة الحق، وأن الهروب من الموت بذل هو الذهاب إلى حقيقة الموت، فالهرب من الموت موتٌ وطلب الموت حياة، والخوف من التعب تعب، والإقدام على التعب راحة، وحقيقة الحرية أنها شجرة الخلد تُسقى بالتضحيات، وأن الوقوع في أسر الظالمين والمستبدين ليس إلا فناء حقيقيا، وإن كان هناك شكل من أشكال الحياة الزائفة، وإن إكبار النفوس وعزّتها هو أعظم مما يتفاخر به الخلق، للتأكيد على معاني الكرامة والعزة والحرية والتحرير.

"يا قومُ: جعلكم الله من المهتدين، كان أجدادكم لا ينحنون إلا ركوعاً لله، وأنتم تسجدون لتقبيل أرجل المنعِمين، ولو بلقمةٍ مغموسةٍ بدم الإخوان، وأجدادكم ينامون في قبورهم مستوين أعزاء، وأنتم أحياء معوَّجة رقابكم أذلّاء! البهائم تودُّ لو تنتصب قاماتها، وأنتم من كثرة الخضوع كادت تصير أيديكم قوائم. النبات يطلب العلو وأنتم تطلبون الانخفاض. لفَظَتكم الأرض، لتكونوا على ظهرها وأنتم حريصون على أن تنغرسوا في جوفها، فإنْ كانت بطن الأرض بغيتكم، فاصبروا قليلاً لتناموا فيها طويلاً".. "يا قومُ: ألهمكم الله الرّشد، متى تستقيم قاماتكم، وترتفع من الأرض إلى السماء أنظاركم، وتميل إلى التعالي نفوسكم، فيشعر أحدكم بوجوده في الوجود، .. ويملك إرادته واختياره، ويثق بنفسه وربّه، لا يتّكل على أحد من خلق الله اتِّكال الناقص في الخلق على الكامل فيه، أو اتِّكال الغاصب على مال الغافل أو الكلِّ على سعي العامل، بل يرى أحدكم نفسه إنساناً كريماً، .. ثمَّ يستوفي، ويستوفي على أن يفي، بل ينظر في نفسه أنَّه هو الأمّة وحده، وما أجدر بأحدكم أن يعمل لدنياه بنفسه لنفسه، فلا يتَّكل على غيره، كما يعمل الإنسان ليعبد الله بشخصه، لا ينيب عنه غيره؟ فإذا فعلتم ذلك أظهر الله بينكم ثمرة التضامن بلا اشتراط، فتصيرون بنعمة الله إخواناً".

فعل الظلم والمظالم في النفوس شنيع خطير؛ وأخطر ذلك كله أن يتحكّم الظلمة والمستبدون فيسلبون الإرادة

إن فعل الظلم والمظالم في النفوس شنيع خطير؛ وأخطر ذلك كله أن يتحكّم الظلمة والمستبدون فيسلبون الإرادة، حتى في الموت، فيختارون لنا ما يشاؤون من الموت، لا ما نختاره نحن؛ فإذا لم يكن من الموت بد فمن العجز أن تموت جبانا خانعا وذليلا، لا عزيزا وكريما "يا قوم: أبعد الله عنكم المصائب وبصَّركم بالعواقب. إن كانت المظالم غلَّت أيديكم، وضيَّقت أنفسكم، حتى صغرت نفوسكم، وهانت عليكم هذه الحياة، وأصبحت لا تساوي عندكم الجهد والجدّ، وأمسيتم لا تبالون أتعيشون أم تموتون، فهلّا أخبرتموني لماذا تحكِّمون فيكم الظالمين، حتى في الموت؟ أليس لكم من الخيار أن تموتوا كما تشاؤون، لا كما يشاء الظالمون؟ هل سلب الاستبداد إرادتكم حتى في الموت؟ كلا والله: إن أنا أحببت الموت أموت كما أحب، لئيماً أو كريماً، حتفاً أو شهيداً، فإن كان الموت ولا بدَّ، فلماذا الجبانة؟ وإن أردت الموت، فليكن اليوم قبل الغد، ولكن بيدي لا بيد عمرو.. ولكنكم تجهلون الطريق، فتهربون من الموت إلى الموت، ولو اهتديتم إلى السبيل، لعلمتم أنَّ الهرب من الموت موتٌ، وطلب الموت حياة، ولعرفتم أنَّ الخوف من التعب تعبٌ، والإقدام على التعب راحةٌ، ولفطنتم إلى أنَّ الحرية هي شجرة الخلد، وسُقياها قطرات من الدم الأحمر المسفوح، والأسارة هي شجرة الزقّوم، وسقياها أنهر من الدم الأبيض؛ أي الدموع، ولو كبرت نفوسكم لتفاخرتم بتزيين صدوركم بورد الجروح لا بوسامات الظالمين؟!". 

حينما لا تهاب النفوس الموت فإنها لا تطلب إلا حياة الكرامة والحرية وترفض الخنوع والاستعباد والمذلة؛ ومن ثم كانت صناعة النفوس الأبية من متطلبات النهوض والرقي وإرادات الشعوب الحية.